Supported Browser
الاستراتيجية

الشركات الرقمية تفجر ثلاثة مفاهيم أساسية

آنيت آريس، أستاذ مساعد في الاستراتيجية بكلية إنسياد |

دفع العالم الرقمي بالمنحنيات القديمة للرسوم البيانية بالتزامن مع ظهور مسارات جديدة

حتى الوظائف المملة مثل تنظيف وإعادة ترتيب الملفات القديمة، قد تقود إلى أفكار مهمة. تفاجئت خلال تصفحي لملفاتي بإيجاد كنز من الذكريات القديمة والأمور المنسية. من ضمن تلك الملفات، وجدت دفاتر ملاحظات تعود لفترة دراستي للهندسة؛ أدركت أني لم أعد أتذكر الصيغ الرياضية التي كنت أبرع بها. فضغوطات العمل اليومية ساهمت بتشويش رؤيتنا.

ومع ذلك، هناك بعض المفاهيم الأساسية التي صمدت مع الوقت. غالبيتها علاقات بسيطة بديهية مثل استقراء التوجهات، ومنحنى وحجم  الانخفاض في الكلفة الذي يزداد مع زيادة حجم الشركة.

بالنسبة لمعظمنا، يبقى ذلك في أذهاننا ويكون مفيداً في العالم التناظري الذي كانت فيه البضائع نادرة وتكلفة التعاملات باهظة. ولكن مع تحول عالم الأعمال إلى الرقمية، تم تطبيق قواعد وعلاقات أخرى. فإذا ما كانت المنحنيات والمفاهيم القديمة متأصلة، قد نجازف باتخاذ قرارات خاطئة بالاستناد إلى أفكارنا المسبقة. فما هي أكبر مخاطر الاعتماد على منحنيات حقيقية ومجربة في السابق؟

نحو نقطة التحول
بصفتي عضوًا في مجلس إدارة، أشعر بالتوتر الشديد عندما أرى رسومات بيانية بحيث تكون النتائج الأولية متواضعة لتتحسن بعد ذلك بشكل ملحوظ بعد بضع سنوات. أدمغتنا مبرمجة لتوسيع خبرتنا بالأمور المستقبلية، لذلك من الطبيعي أن نشعر براحة أكبر بوجود خطط عمل تظهر تحسن النمو في الماضي باستخدام خطوط بيانية. ينطبق ذلك على الصناعات الناضجة، ولكن في حال كان القطاع الذي تعمل فيه متأثراً بالعالم الرقمي، تصبح الفرضيات حول النمو التدريجي ليست ذات صلة.

من النادر أن يبدأ الابتكار الرقمي بقوة. ففي كثير من الأحيان، هناك فترة يحدث فيها ضجة ولكن مع تأثير محدود. ومن ثم يتم تقبل الخدمة الرقمية الجديدة فجأة ضمن منحى حاد. أحد الأمثلة البارزة على ذلك، تبني الإنترنت على أجهزة الهاتف المحمول بسرعة، عقب سنوات مضنية في الحياة الرقمية.

العالم الرقمي عرضة بشكل خاص لنقاط تحول بسبب تبني أنماط ومنظومات.  فدورة حياة اعتماد تكنولوجية معينة، كما وصفها إيفريت روجرز وجاء بعده جيفري مور ليقوم ببعض التعديلات، مجموعة صغيرة من المبدعين ممن لديهم تابعين، نقطة تحول من المتبنين الأوائل إلى الغالبية الأولى. ففي العالم الرقمي، يكون المنحنى أكثر حدة طالما تنجح الابتكارات الجديدة من تحقيق الانتشار بسرعة.

كما أشار رون آدنر في كتابه The Wide Lens  ، تنشأ منظومة الحواجز إما بسبب حاجة اللاعبين المختلفين في القطاع إلى الوقت لتأسيس قواعد جديدة حول الآلية التي يجب أن يتفاعلوا بها مع بعضهم، أو عدم استفادة بعض اللاعبين من الابتكار. فعلى سبيل المثال، في الإعلانات يواصل المهنيون شراء مساحات في وسائل الإعلام التقليدية بالرغم من تراجع عدد المشتركين والقراء. يدرك المعلنون ذلك، ولكن سلسلة القيمة في الإعلانات الرقمية قيد التأسيس. وتفتقر وكالات الإعلان إلى المهارات والحوافز المادية للتحول من الإعلام التقليدي. فقط في الآونة الأخيرة، وجد عمالقة التكنولوجيا السبيل لتبسيط تصميم وتسعير وتحليل الإعلانات الرقمية، مما أدى إلى نقطة تحول في التسويق الرقمي.

عندما تتحرك الصناعات نحو الرقمية ، يجب أن يتنبه المديرون ومجالس الإدارة إلى نقاط التحول المحتملة. كما تحتاج الشركات إلى أن تكون على بينة بمنظومة الحواجز، وإلى أي مدى بإمكانها اختراقها.

سيادة المسارات القوية
اعتدنا على النموذج التقليدي الذي يعتمد على ندرة البضائع ورفع الأسعار.  تتحمل الأطراف تكاليف المعاملات عند البحث عن المنتج واختيار البديل الأفضل والتفاوض على السعر وضمان استيفاءه. في ظل تلك الظروف، تميل منحنيات الطلب إلى اتخاذ شكل الجرس (الشكل 1).

في حال رغبنا بحجز تذكرة طائرة على سبيل المثال، وكانت تلك التي نريدها قد بيعت في الوقت الأكثر طلباً، نبحث عن أفضل البدائل. إما التذكرة الأغلى في الوقت المناسب، أو التذكرة الأرخص لكن في الوقت الأقل ملائمة.
أشار كل من إريك برنجولفسون وأندرو مكافي في كتابهم The Second Machine Age  إلى أن تلك القواعد البسيطة المتعلقة بتوافر المعروض وكلفة التعاملات لا تنطبق على العالم الرقمي. فالبضائع لم تعد نادرة اليوم ولا تتعرض للتلف؛ بالإمكان نسخها بسهولة وتوزيعها حول العالم من دون تكلفة تقريباً. فكلما كانت السلعة أو الخدمة الرقمية أفضل قليلاً من منافستها التناظرية، يسعى المستهلكون خلفها. فكون عامل الندرة لم يعد جزءاً من المعادلة، المنحنى العادي لم يعد موجوداً. وبدلاً من ذلك، يحصل أفضل أداء على حصة الأسد من الإيرادات (الشكل 2).

أظهرت آنيتا إيلبيرس من هارفرد، أن المنحنيات الرقمية أكثر حدة من التناظرية، ذلك بالاستناد إلى سلوك البحث عند المستهلكين. بالنظر إلى إيرادات الموسيقى. فإن 20% من العناوين الموسيقية تولد 80% من القيمة في العالم التناظري، ولكن في العالم الرقمي تكون النسبة أقرب إلى 10:90.

بالتالي يتوجب على مجالس الإدارة والتنفيذيين التركيز على الجودة العالية للعروض الرقمية. فنظام الشرائح لخطط العمل ليس بالأمر الكافي؛ ويجب أن يحتل التركيز على التفاصيل الأولوية، مع ضرورة تجريب المنتج وتطويره. كما أن الفهم العميق للعملاء و رحلتهم واحتياجاتهم أمر بالغ الأهمية.

شكل جديد لآثار الشبكة
يلعب حجم الانخفاض في الكلفة دوراً في العالم الرقمي - والمنصات الرقمية على وجه الخصوص – لكن حجم الأشخاص الذين يستخدمون المنتج له الدور الأهم. يحدث انخفاض في حجم الكلفة مع توسع الشركة: ينخفض متوسط الكلفة بسبب توزيع التكاليف الثابتة على حجم أكبر. فعندما تكون الشركة صغيرة، فإن حجم الانخفاض في الكلفة يزيد بسرعة مع زيادة حجم الشركة. ومع ذلك، كلما كبرت الشركة، كلما قل حجم الانخفاض في الكلفة، مما يؤدي إلى منحنى مقعر يتلاشى مع الحجم.

تأثيرات حجم الأشخاص الذين يستخدمون المنتج هي السبب في زيادة العرض (المزيد من السائقين أوالشقق الإيجار أو منتجات للبيع) والطلب (أشخاص يستأجرون غرفاً أو يشترون منازل..). فهم يميلون إلى البدء بوتيرة بطيئة وثم يسرعون الوتيرة بمجرد الوصول إلى مرحلة حرجة. يؤدي ذلك إلى منحنى "محدب" حيث يصبح المنحدر أكثر انحدارًا بدلاً من أن يكون مسطح قليلاً. تتناقص العوامل الخارجية للشبكة أيضًا - عندما يكون السوق مشبعًا ، على سبيل المثال.

تأثيرات الإدارة بتلك المنحنيات، تؤثر على التوقيت أولاً وقبل كل شيء. وفي حين يكون لحجم الانخفاض في الكلفة تأثير كبير على المدى القصير، فإن خبرات العملاء لا يظهر تأثيرها إلا لاحقاً. كما أنه من الضروري إدراك أن حجم الانخفاض في الكلفة يكون ذو تأثير في الشركات التي يزداد حجمها، أما خبرات العملاء فتنطبق فقط على الشركات التي تملك السوق.

من المرجح أن يحصل الفائز بخبرات العملاء على كل شيء (الشكل 4). تمثل عمالقة التكنولوجيا أفضل مثال على التأثير المشترك لمنحنى السلطة وتأثيرات العملاء. يجب أن يرغب المديرون ومجلس الإدارة بالمجازفة والاستعداد لاحتمالية الفشل وما يترتب عليه من عواقب.

أعد تدريب عقلك
بالنظر إلى المنحنيات السابقة، والتي تعتبر بالية في العالم التناظري وفي أدمغتنا، بإمكاننا رؤية الاختلاف الجذري للمنحنيات في العالم الرقمي. يجب أن يكون مجلس الإدارة والمدراء على دراية بأن استخدام منحنى خاطئ قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة بشكل أساسي.

ينطوي كل منحنى رقمي جديد على تحدي خاص به، ويتطلب تحول واضح في التركيز من الأعلى. تحتاج الشركات إلى المزيد من الاستراتيجيات الطويلة المدى، كون التأثيرات القصيرة الأمد تكون في العالم الرقمي أصغر، بينما تكون الطويلة المدى أكبر.

يعد الفهم العميق للاحتياجات الفردية للعملاء، والتحليلات الهامة والقياس من الأمور المصيرية، كون منحنيات القوة الرقمية لا ترحم المشاركين بالمنافسة. كما لا يوجد مكان للمرتبة الثانية في العالم الرقمي. بالنسبة للشركات التي تسعى نحو نقطة تحول رابحة، يجب أن يكون عند المديرون ومجلس الإدارة رغبة بالمجازفة. فعند مواجهة ظروف صعبة، اتخاذ الخيار بعدم المجازفة قد يكون سبباً في هلاك الشركة.

لكي تواصل الشركة مسيرتها الناجحة، يجب أن يمتلك مجلس الإدارة والمدراء رغبة كافية بالمخاطرة. ففي الشدائد، قد يؤدي القرار بعدم المجازفة إلى التهلكة. المنحنيات الجديدة أكثر إثارة وتحديا من القديمة. لذا ربما قد حان الوقت للتخلص من أفكارك القديمة، ونفض الغبار عن الصيغ الرياضية، وتدريب عقلك على العالم الرقمي.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في دورية معهد ستيرن ستيوارت.

أنيت آريس، أستاذ مساعد في الاستراتيجية بكلية إنسياد. وعضو مجلس إدارة في Thomas Cook PLC  في لندن، و شركة ASML Holding N.V  في فيلدوفن، بالإضافة إلى شركة ASR Nederland N.V.  في أوترشت و  Jungheinrich AG في هامبورغ.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية