Supported Browser
المسؤولية

إدراك حتمية الموت وعلاقته بالمسؤولية الاجتماعية للشركات

غولي تشين، أستاذ مساعد في الاستراتيجية بكلية إنسياد  |

خسارة أحد الزملاء بشكل مفاجئ، يعيد ترتيب أولويات الشركة بسرعة.

يجب أن يموت أحدهم كي يقدر البقية قيمة الحياة بشكل أكبر. فيرجينيا وولف

كان ريتشارد، الرئيس التنفيذي لشركة صناعية كبرى، في اجتماع بالفيليبين للقاء قادة الحكومة كجزء من سياسة شركته التوسعية عندما تلقى خبر وفاة أحد المدراء الرئيسيين في الشركة بأزمة قلبية. استاء ريتشارد وقطع زيارته القصيرة وعاد إلى بلاده وعائلته. انقطع عن الآخرين لأسابيع مما دفع الرؤساء في الشركة الآسيوية يتساءلون إذا ما كانت الخطة التوسعية لا تزال قائمة. تم إقرار الخطة ولكن ضمن إطار زمني أكثر تساهلاً، واتفقوا على أن يواكبها برنامج تعليمي لمساعدة أسر العاملين في المصنع.

أنت لست استثناءً
بالرغم من أن إحداث تغيير في الخطة لم يكن في الحسبان، ولكن مثل هذا السلوك ليس غريباً في حالة وفاة أحد المدراء بالشركة. تشير الدراسات التي أجريت في علم الموت أنه في المراحل الأولية للحزن، قد يختبر الأشخاص المفجوعين درجة من القلق بسبب الموت، مما يؤدي إلى مرحلة الانسحاب من التفاعل مع الأشخاص. يرتبط ما يطلق عليه الحزن المشترك والقلق بسبب الموت أحياناً بالضغوطات  والتوتر والإجهاد العاطفي. وقد يؤدي إلى تصرفات مثل الخوف على النفس والانسحاب من العمل. يصبح الرؤوساء التنفيذيين الذين يختبرون القلق بسبب الموت، وإن كان لفترة قصيرة، أقل انغماساً بشؤون الشركة، وقد يسعون خلف نمط الحياة الهادئ.

تأتي المرحلة الثانية والأكثر تطوراً بعد فترة أطول وهي انعكاس الموت. قد يفكر الأشخاص الذين يواجهون حالات وفاة بمصيرهم ويتصرفون بطريقة خارجة عن شخصيتهم. تشير الأبحاث إلى أن الوعي المتزايد بحتمية الموت له تأثير كبير على الطريقة التي نتصرف بها. وفي الوقت الذي تكون به الخسارة مؤلمة، فإن التفكير بحتمية الموت قد يكون مرتبطاً ببعض الاستجابات المعرفية الإيجابية، التي تقود بدورها إلى سلوك عام، وهو الطريقة التي يجد فيها الأشخاص معنى لحياتهم. الأفراد أكثر عرضة للانعماس بالفكير الذاتي، والتعبير عن الرغبة بتقدير ما تبقى لهم من وقت في الحياة، وإعادة تقييم حياتهم والهدف من عملهم، والبحث عن معنى أعمق لشخصيتهم، والبحث عن طرق يتركوا من خلالها أثر أكبر ويساهموا بشكل أفضل في المجتمع.

قد يؤدي فقدان أحد الأقران أو الزملاء إلى تعزيز فكرة حتمية الموت، كون الأشخاص يميليون إلى تصنيف مثل هؤلاء الأفراد كأشباه لهم، مما يعزز فكرة أنهم قد يكونوا مكانهم.

الموت في مجلس الإدارة
بالرغم كونه متعارفاً أنه قد يكون للموت تأثير كبير على سلوك الأشخاص، إلا أنه من النادر طرح ذلك الموضوع في بيئة الشركات. تناولت دراسات سابقة عن الموت في قطاع الإدارة، تأثير وفاة قادة الأعمال على سوق الأسهم، واعتبرت كخسارة للمعرفة والإمكانيات. أظهرت دراسة حديثة أن الرؤساء التنفيذيين يستجيبون لوفاة مدير الشركة من خلال اتباع استراتيجيات منخفضة المخاطر، أو بأن يصبحوا أقل أنانية. تعطي تلك الدراسات رؤى أولية حول الكيفية التي تؤثر فيها وفاة المدير على الشركة.

خططنا للتوسع بذلك من خلال دراسة العلاقة بين حتمية الموت والسلوك الإيجابي المؤسسي. فمن خلال بحثنا الذي حمل عنوان: قد أكون أنا: وفاة المدراء، حتمية وفاة الرؤساء التنفيذيين والسلوك الإيجابي في الشركة (شاركني كتابته زملائي سي كروسلاند، وإس هوانغ وسينشر قريباً في مجلة علوم الإدارة)، اختبرنا إذا ما كان الرؤساء التنفيذيين الذين خسروا أحد أقراهم (بهذه الحالة عضو بمجلس إدارة الشركة ذاتها) سيتفاعل مع الحدث من خلال إعادة تقييم أولوياته و زيادة نشاطات المسؤولية الاجتماعية للشركات، مثل استثمارات أكبر بهدف تحسين ظروف العمل أو تطوير المجتمع.

لمعرفة إذا ما كانت هذه الاستجابة واسعة في الحالات التي تكون فيها الوفاة تمس بشكل خاص الرئيس التنفيذي، نظرنا في حالتين إضافيتين:  عندما كان المدير المتوفي تم تعيينه خلال فترة عمل الرئيس التنفيذي (ستكون العلاقة أقوى بين الرئيس التنفيذي والمدير)، وفي حالة كانت الوفاة مفاجئة. نظراً لكون الرؤساء التنفيذيين الأصحاء أكثر عرضة للانخراط مع أقرانهم الذين ليس لديهم علامات تدل على المرض أو العجز، افترضنا أنهم سيعانون أكثر إذا ما كانت الوفاة غير متوقعة، وليس لديهم الوقت الكافي ليتهيأوا نفسياً.

تطوير الشركة أو المجتمع
بدأنا البحث بتحديد 755 حالة وفاة لمديرين عن الفترة ما بين 1990 و 2013. الشركات التي شهدت حالات وفاة مدراء تمت مطابقتها مع لائحة شركات لم تتعرض لخسارة أحد طاقم الإدارة، بنفس فترة حدوث الوفاة. تم استخدام 89 شركة شهدت حالة وفاة وأخرى لم تشهد ضمن المجموعة النهائية. أجرينا بعدها تحليلاً للاختلافات في الاختلافات لمقارنة أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات بعد أن شهدت الشركة حالة وفاة لأحد المدراء من ضمن مجموعة الدراسة.

تمت مقارنة وتقييم أنشطة قسم المسؤولية الاجتماعية للشركات خلال السنوات الأربعة التي سبقت حالة الوفاة مع السنوات الأربعة التي تلتها. وتضمنت الأنشطة، مدى انخراط الشركة بالمجتمع، والفرص البيئية وحقوق الإنسان، وتنوع القوى العاملة، والعلاقة بين الموظفين، وسلامة المنتج وجودته. تم الحصول عن المعلومات عن الأداء من خلال قاعدة بيانات مؤشر KLD. الذي يعطي مجموعة من المؤشرات لتقييم مدى إيجابية وقوة وسلبية ومخاوف الحوكمة البيئية والاجتماعية للشركات. لقياس أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات بشكل عام، لم نقم بحساب معدلات القلق من معدلات القوة. أظهرت الدراسة أن الشركات التي شهدت وفاة أحد المدراء ارتفع فيها معدل المسؤولية الاجتماعية للشركات بمقدار  0.372 ، في الفترة التي تلت حالة الوفاة. بالتالي فإن حجم تأثير وفاة المدير على أداء المسؤولية الاجتماعية للشركات مهم للغاية.

بالإضافة لذلك قسمنا أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات إلى فئتين: تلك التي تبدو أكثر تركيزًا على المجموعات من داخل الشركة (العلاقة بين الموظفين ، وتنوع القوى العاملة ، وسلامة المنتج وجودته) وأخرى تركز على مجموعات من خارج الشركة (العلاقات المجتمعية وحقوق الإنسان والفرص البيئية) . أظهرت تحليلاتنا أن التحسن في أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات عقب وفاة المدير تعزى لحد كبير إلى زيادة أنشطة المجموعات من داخل الشركة، أي تلك المتعلقة مباشرة بالشركة. على سبيل المثال ، شهدت شركة Jones Lang LaSalle حالة وفاة لأحد المديرين في 2008. أظهرت البيانات أن قوة المسؤولية الاجتماعية للشركات في الشركة ارتفعت من 4 في العام الذي توفي فيه المدير إلى 7 في السنوات الثلاث التي تلت حالة الوفاة. وبعد أربعة سنوات ارتفعت إلى 11. بتلك الحالة ، يعزى  ذلك الارتفاع بشكل كبير إلى التغييرات في العلاقات بين الموظفين وتنوع القوى العاملة ، حيث ارتفعت الأنشطة التي تركز على المجتمع بشكل أقل حدة.

الإدراك والتأثير
تقدم هذه الدراسة أولى الأدلة عن ووجود علاقة بين فكرة حتمية الموت والأنشطة الإيجابية للشركة. وترى أن وفاة المدراء لها تأثير أكبر من الأسباب التقليدية كفقدان المعرفة والمهارات أو رأس المال الاجتماعي بسبب الوفاة. فالحرمان يؤثر على الأحياء ويتركهم يفكرون بقيمة الحياة الأمر الذي يحفزهم وشركاتهم على التفكير بما هو أبعد من الأمور المادية، ويحول جهودهم نحو زيادة انخراط الشركة بالنشاطات المجتمعية. في حين يأمل المجتمع ككل ومجتمع الأعمال بأن تكون الشركات وقادتها أكثر مسؤولية عن أعمالهم، تظهر الدراسة التي قمنا بها وجهة نظر مثيرة للاهتمام. في الواقع ، يجب أن يكون لدى الروؤساء التنفيذيين والمديرين الحافز لإدارك أنه يوجد في الحياة ما هو أكثر من المال.

غولي تشين، أستاذ مساعد في الاستراتيجية بكلية إنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية