Supported Browser
المسؤولية

الفساد ورسم خط فاصل في المنطقة الرمادية

مارك لو مينيستريل، أستاذ زائر في حوكمة الشركات والاستدامة بكلية إنسياد |

تحصين شركتك من الفساد يبدأ بالتساؤل إلى أي مدى تعتبر نفسك شخصاً نزيهاً

ليس من الضرورة أن يتعامل التنفيذيين والمدراء مع الفساد على أنه قضية قانونية أو مخالفة للقواعد.  ولا يكفي اعتباره قضية أخلاقية أيضاً. فالاستقامة لم ولن تكون بمثابة ضمان للتنفيذيين ومدراء الشركات.

يعتبر الفساد من المفاهيم المعقدة، فحتى في المنطق البسيط، يعطي صورة مخادعة للإدراك.على سبيل الاستعارة: الفساد بالنسبة للنزاهة بمثابة الليل للنهار.

التعريف الوحيد للنهار هو الوقت الممتد ما بين بزوغ الشمس وغروبها. ولكن لا نستطيع إنكار حقيقة أن الغسق عبارة عن بداية الليل، والشفق يضم بعض خيوط النهار، أو أن الفجر يعلن عن بداية يوم جديد.

علاوة على ذلك، تؤثر المواسم على طول النهار. فهناك دورات وما قد يكون نهاراً اليوم قد يصبح ليلاً غداً. والممارسات التي تعد أمراً مقبولاً اليوم قد ينظر إليها على أنها فساد فيما بعد. وإذا ما نظرنا إلى قضايا الفساد في عصر العولمة، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الليل والنهار يعتمدان على مكان وجودك في الواقع.

فعندما تغرب الشمس في الغرب ، تشرق في الشرق ...

شي جين بينغ وترامب
سأوضح وجهة نظري بنموذج ملموس - خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، والذي يتناقض مع استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية التي وضعها دونالد ترامب.

لننظر بداية في القواسم المشتركة بين تصريحات الرئيسين. اعتبر كلا البيانين الفساد قضية حوكمة. ورسخ كلاهما فكرة أن الفساد هو أمر خارج عن القانون، وتم صياغة ذلك بكلتا البيانين كقيمة أساسية. كما أشارا إلى الفوائد المجتمعية لمكافحة الفساد.

علاوة على ذلك ، فإن رؤيتهم للفساد تشبه النهار والليل ، بالطبع مع ظلال رمادية.

بحسب تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينغ " الفساد هو أكبر تهديد لحزبنا". وهو "من الاختبارات التي تواجه الحزب كونها تتعلق بالحوكمة والإصلاح والانفتاح واقتصاد السوق والبيئة الخارجية".

وأكد "شي" على ضرورة تمتع المسؤولين بالصراحة والمصداقية، وشفافية الحكومة، ومعالجة القضايا السياسية بكل نزاهة.

وبحسب شي، نزاهة المسؤولين في الحزب ستساهم في تطوير النظام الحزبي، وتعزيز الرقابة الداخلية، وحماية الروابط الوثيقة مع الشعب.

دعا شي جين بينغ إلى مكافحة الفساد مما يساهم في تقوية الحزب الشيوعي ومساهمته في استقرار البلاد على المدى الطويل.

من وجهة نظر دونالد ترامب، ينشأ الفساد بسبب ضعف الحوكمة وفشل سلطة القانون. لكنه وجه أصابع الاتهام إلى جهات أخرى: "المنظمات الإجرامية الدولية، المسؤولين الأجانب الفاسدين، النخب الفاسدة،  القادة القمعيين اللذين غالباً ما يتعاونون ضد المجتمعات الحرة، والشركات المتعددة الأطراف الفاسدة"

يهدف برنامج ترامب لمكافحة الفساد إلى محاربة الدول الاستبدادية والسماح للشركات الأمريكية من المنافسة بشكل عادل في جو من الشفافية. بمعنى آخر، دعا ترامب إلى محاربة الفساد للتأثير على اللاعبين الدوليين، وحماية مصالح الولايات المتحدة، والمساهمة في الحرية السياسية والمنافسة العادلة على الصعيد الاقتصادي.

يوضح هذين المنظورين جانبين للفساد.

يعزى الفساد من جهة إلى عدم نزاهة النظام السياسي بسبب الحوافز الاقتصادية غير الملائمة. ومن جهة أخرى يعزى إلى عدم نزاهة النظام الاقتصادي بسبب التأثير السياسي الغير مناسب.

تبقى المسألة تحديد الجهة المسؤولة عن دفع الحوكمة العالمية من منظوري شي جين بينغ ودونالد ترامب حول الفساد، القوة السياسية أو الاقتصادية.

وجهات النظر المتطرفة
اتخاذ الشركات العالمية لقرارات عملية من خلال منطور واحد أمر محفوف بالمخاطر- مثل الاستراتيجيات الغير سوقية وخطط التوسع الخارجية. فهي بحاجة إلى تغطية جميع النواحي التي تشهد فساداً.

قد تساعد بعض المدخلات النظرية على تحديد الأشكال المختلفة للفساد ومكافحته.

الموقف من الفساد الذي يمارس ضغوطاً سياسية على حساب الاقتصاد، كما هو الحال في خطاب شي، عبارة عن علاقة مترابطة. فخلال هذه العلاقة، يتعاون طرفان محددان للاستفادة من نشاطهما المشترك. والأهم من ذلك، تتشارك هذه الأطراف في الهوية وتوجد كوحدة واحدة. هذه الوحدة تسعى لحماية كيانها من خلال تعزيز النزاهة في هذه العلاقة.

أما الموقف الذي يركز على الاقتصاد على حساب السياسة، كما هو الحال في استراتيجية ترامب للأمن القومي، هو عبارة عن علاقة تبادلية. بحيث يتنافس الطرفان لتحقيق استفادة متبادلة. والهدف من العلاقة التبادلية تحقيق الاستفادة لكلا الطرفين. فالمنفعة المتبادلة هي التي تدفع العلاقة وتكون النزاهة في التعامل بمثابة حماية لها.

يوجد لكلا الموقفين تعريف معين للنزاهة مبني على أسس ثقافية وفلسفية. ولكل منهما قيم معينة خاصة به

ومع ذلك، فإن التفاعلات الاجتماعية هي مزيج من العلاقات المترابطة والمتبادلة، وينبغي التعامل معها على هذا النحو. تمثل العلاقات أو التبادلات، الاقتصاد أو السياسة، المنافسة أو التعاون، أقصى مستويات التطرف  الذي لا ينبغي أن يدعي تغطيته لكافة الحقائق وحده.

فالنزاهة لا تعني النقاء، بل رسم خط في المنطقة الرمادية، وهي عملية ديناميكية تشترك فيها الجهات الفاعلة ومراجعها وسياقها.

عدم التهاون مع الفساد
بما أن الفساد هو المنطقة الرمادية، فإن الحقيقة المزعجة تتمثل بكون السلوكيات الفاسدة ليست شراً مطلقاً. وبالمثل، ليس من الضرورة أن يكون الأشخاص الذين لم تتلوث يديهم بالفساد نموذجاً للنزاهة. لسوء الحظ، فإن خطابات عدم التهاون بأمور الفساد لا تعبر عن هذا التعقيد.

هذا لا يعطي عذراً للفساد أو أي شكل من العلاقات والتبادلات التي قد تتخذ شكلاً متطرفاً، والتي يجب أن يطلق عليها مسمى جريمة وتقتضي العقاب.

يجب الاعتراف بالحاجة إلى تحليل ثاقب للخير والشر في التفاعلات الاجتماعية، مما سيؤدي إلى التوصل لأحكام متناقضة بسبب التعقيد الذي ينطوي عليه الأمر.

تقبل وجود منطقة رمادية لا يعني إنكار كون بعض التصرفات أسوء من الآخرى. ولكن كونك تقبلتها يعني أنك تسعى إلى النزاهة بكل ضمير.

في عالم الأعمال، تتمحور قضية مكافحة القياديين للفساد بشكل فعال حول تبني موقف حازم تجاه منظور الشخص نفسه للفساد. كما لا يجب التمسك بفكرة الفساد على طول الخط، وكأنها معضلة على درجة عالية من الدنائة لتتوسخ يديك بها. أسأل نفسك كيف تتصور النزاهة؛ وانظر في احتمال أن بعض علاقات العمل تربط النزاهة بالفساد.

قد تكون الخطوة الأولى من خلال إنشاء مساحة في شركتك للنقاشات والأسئلة الغير مريحة. فبدلاً من محاولة التأكد من عدم وجود فساد في شركتك من خلال وجهة نظرك الاعتيادية، افترض – على سبيل التجربة- أنها فاسدة وفقًا لعقلية بديلة. ثم قم بفحص أسلوب عملك بشكل دقيق من خلال هذا المنظور. فقد تكتشف حقائق مدهشة حول أسلوبك وتستكشف حافزاً جديداً لتطوير شركتك عندما تكون خارج منطقة راحتك. عندها ستكون قطعاً مستعدا بشكل أفضل في حال وجود تهمة موجهة.

مارك لو مينيستريل، أستاذ زائر في حوكمة الشركات والاستدامة بكلية إنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟