Supported Browser
العمليات

التكلفة البشرية للتكنولوجيا

باولكورزينسكي، باحث زائر بكلية إنسياد. إليزابيث فلوران-تريسي، أستاذ محاضر. مانفريد كيت دي فريس، أستاذ أكاديمي في تطوير مهارات القيادة والتغيير المؤسساتي بكلية إنسياد |

تخوض الشركات سباقاً نحو الرقمنة، ويخلق ذلك تحديات إنسانية، حيث من المتوقع أن يكون الأشخاص متأهبين للاستجابة لمتطلبات العمل بشكل دائم. ولكن تختلف مقدرة تعامل الأفراد مع هذه التحديات باختلاف شخصية كل منهم.

اعتدنا التواصل مع زملائنا في العمل خلال حضورنا لاجتماع، أو على الغداء، أو (في كثير من الأحيان) عن طريق الرسائل الهاتفية "عندما كنت بالخارج ...". يبقى معظم الأشخاص اليوم على تواصل بشكل مستمر من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف المحمولة أو تكنولوجيا الفيديو. في الواقع، وجدت دراسة حديثة أن ما يقرب ثلث البالغين في الولايات المتحدة لا يقومون بإطفاء هواتفهم الذكية – في ظل الانتشار الواسع لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة.

في حين توفر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العديد من المزايا، بما في ذلك تسهيل وصولنا إلى والمعلومات (بمعنى أننا لم نعد بحاجة إلى أن نكون في ذات البلد، ونتشارك نفس المكتب، للاتصال بالأشخاص اللذين نرغب بالتواصل معهم)، يخلق الانتشار الرقمي تحديات اجتماعية جديدة. ويجد التنفيذيين على وجه التحديد، أنفسهم تحت وطأة ضغوطات متزايدة من جراء وابل الرسائل الواردة على البريد الإلكتروني والهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، سواء من مرؤوسيهم السابقين، والحاليين والمستقبليين، والعملاء والموردين وشركاءهم في العمل. تخلق هذه الضغوطات المستمرة تحديات بسبب ضغط العمل وتعقيده، وانعدام الشعور بالأمان، والذي يمكن تلخيصه بكلمة واحدة، الإرهاق. وهنا تساءلنا: هل تلعب شخصية الفرد دوراً في طريقة تعامله مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؟

تمت صياغة كلمة "ضغوط التكنولوجيا" في عام 1984، لوصف التوتر العصبي الناجم عن الاستخدام المفرط لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وحددت أبحاث لاحقة خمسة مسببات لضغوط التكنولوجيا وهي: ضغوطات التكنولوجيا (تنطبق على حالات زيادة عبء العمل الناجمة عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات)؛ الغزو التكنولوجي (تأثير غزو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للحياة الشخصية)؛ التعقيدات التكنولوجية (صعوبة تعلم استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات)؛ انعدام الشعور بالأمان بسبب التكنولوجيا (الحالات التي تهدد فيها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الوظائف)؛ الريبة الناجمة عن التكنولوجيا (ترتبط بالتطورات الجديدة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات). وضعنا مؤخرا في إنسياد ورقة عمل " الفرد وضغوط التكنولوجيا:  ربط الأبعاد الشخصية بالإجهادالناجم عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات"، لتقييم مدى تأثر السمات شخصية بكل من هذه العوامل الخمسة.

التحديات التكنولوجية في القرن الواحد والعشرون

عندما تم تعريف ضغوطات التكنولوجيا للمرة الأولى، كانت ثمانية بالمائة فقط من العائلات في أميركا تمتلك جهاز كمبيوتر. اليوم، ومع وصول هذا الرقم إلى نحو 80 في المئة، أصبحت تأثيرات العصر الرقمي على البشرية أكثر أهمية من أي وقت مضى. وبطبيعة الحال، فإن كيفية استجابة الأشخاص للتقدم التكنولوجي السريع، والأثر السلبي الذي اختبروه بسبب كونهم "متصلين باالشبكة" أغلب الوقت، يتفاوت من فرد لآخر. ولمعرفة المزيد عن ذلك، طلبنا من مجموعة من الأشخاص إكمال اثنين من الاستبيانات، بحيث يركز الاستبيان الأول على مستوى الضغوطات التي يتعرضون لها بسبب التكنولوجيا، والآخر تقييم شمولي للشخصية وفق طريقة 360 درجة. قمنا بتحليل 49 من إجاباتهم الخاصة بالاستبيان الأول، و152 من الاستبيان الثاني المتعلق بالشخصية، في سبيل تحديد السمات الشخصية وتأثير الرقمنة فيها. فتوصلنا لبعض الأمور المثيرة للدهشة.

الشخصية وتأثرها بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات

من أكثر الأمور التي وجدناها من حيث الأهمية، أن طريقة رؤية تأثرنا بالضغوطات التكنولوجية أو الغزو التكنولوجي، تختلف عن الكيفية التي يقيم بها الآخرون لأدائنا. وبعبارة أخرى، لا يرى الأخرون عادة مقدار الضغط الذي نتعرض له.

من منظور الشخصية، أشار تحليل البيانات إلى أن الأشخاص الإنطوائيين استفادوا من استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واختبروا مستويات أدنى من الغزو التكنولوجي. ينطبق الأمر ذاته على الأشخاص الذين يدعون الانفتاح- وهم الانطوائيين الذين تعلموا أن يظهروا سلوكياتمختلفةعند الضرورة. فمن الممكن أن توفر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للأشخاص اللذين يدعون الانفتاح، فرصة التواصل مع جمهور أوسع دون الحاجة للمشاركة فعليا في اللقاءات الاجتماعية الكبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تعني رغبتهم ببناء علاقات حقيقية مع عدد أقل من الأشخاص، أن بإمكانهم بأن يظهروا ناشطين وحاضرين من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فهم أكثر استراتيجية وانتقائية بخياراتهم.

وجدنا ضمن السمات الشخصية الأخرى، أن الأشخاص الأكثر انفتاحاً هم أكثر عرضة للمعاناة من ضغوطات التكنولوجيا. ومن الملاحظ بشدة ارتباط مستوى المغامرة مع مستوى عال من ضغوطات التكنولوجيا. وفي الوقت نفسه فإن الأشخاص الواثقين بأنفسهم أقل عرضة للمعاناة من حالة عدم الأمان التي تسببها التكنولوجيا (الإجهاد الناجم عن المخاوف بفقدان العمل لصالح آخرين يتمتعون بمهارات تقنية عالية). والأشخاص اللذين يصطنعون الانضباط أقل عرضة للغزو التكنولوجي. ومن جهة أخرى، يزيد الشعور بعدم الأمان الذي تسببه التكنولوجيا عند الأشخاص المنضبطين، مما يدل على أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد يكون لها تأثير سلبي على الحياة المهنية الشديدة التنظيم للأشخاص المتطلبين.

وأخيرا، كان من المفاجئ أن نلاحظ أن الفترة التي يكون فيها الأشخاص متاحين من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (وهو  الوقت الذي يكونوا فيه متصلين بالشبكة ويستطيعون استقبال والرد على البريد الإلكتروني، والاتصالات، أو رؤية آخر تحديثات زملائهم على منصات التواصل) وقدرتهم على التعامل معها (نزولاً عند رغبتهم وليس كأمر مفروض عليهم)،  قد يكون لها آثار عكسية على الغزو التكنولوجي. لقد وجدنا أن المشاركين في الدراسة الذين جعلوا من أنفسهم متاحين باستمرار من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كانوا أكثر عرضة للتأثر " الغزو التكنولوجي". من ناحية أخرى، فإن الأشخاص الذين استخدموا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بانتظام ، بناءً على رغبتهم تأثروا سلباً بشكل أقل بالغزو التكنولوجي. ربما يعود ذلك لمشاعرهم الأكثر إيجابية حيال استخدام التكنولوجيا و قدرتهم على السيطرة على كيف ومتى تستخدم. فلماذا يمتلك بعض الأشخاص القدرة على السيطرة على طريقة استخدامهم لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، في حين يقع البعض الآخر في "فخ أن يكون متاحا بشكل دائم"؟ وعند النظر إلى سمات الشخصية، يبدو أن الأشخاص اللذين يدعون الانفتاح أو الانضباط، هم الأفضل في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الناحية الاستراتيجية. فالأشخاص الذين يمتلكون هذه السمات الشخصية، يمتلكون المهارة لإدارة فترات التواصل، وبالتالي يقل شعورهم بالغزو التكنولوجي.

مطابقة السمات الشخصية مع استراتيجيات الاتصال

تعتبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات جزء من الحياة المهنية الحديثة بغض النظر عن كونها تسبب الإجهاد، فهي تساعد على التحولات التنظيمية الإيجابية، وتعطي قدر أكبر من المرونة، وفرص التواصل، وتساهم في إشراك أكبر عدد من الأشخاص. حيث تشير النتائج التي توصلنا إليها، إلى أن الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات في شخصية الأفراد عند توزيع المسؤوليات ووضع الخطوات الرئيسة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يؤدي ذلك بدوره إلى تخفيف الضغوطات التي قد تسببها.

على سبيل المثال، تعمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لصالح الأشخاص الإنطوائيين في الفريق، كونهم يميلون إلى اختبار مستويات أدنى من الغزو التكنولوجي. أما بالنسبة للأشخاص المنفتحين، فإن اسلوب التواصل المباشر تساعدهم على التخفيف من مخاوفهم بأن يتم تجاهلهم في حال لم يكون متصلين بشكل دائم. ونتيجة لذلك، يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوطات التي قد تواجههم بسبب التكنولوجيا. من جهة أخرى، يظهر الأشخاص الحذرين مستويات عالية من حالة الشعور بانعدام الأمان. ولهذا السبب، لا ينبغي أن يسند إليهم أدوار تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل كبير، أو يجب أن يتم توجيههم خلال الفترة الانتقالية، مما يكسبهم ثقة بأنفسهم، ويساعدهم في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

لاحظنا أيضا وجود صلات أخرى مثيرة للاهتمام بين أبعادالضغوطات التكنولوجية وسمات الشخصية. على سبيل المثال، يظهر الأشخاص الذين يتشاركون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل متكرر، مستوى أعلى من الثقة بالنفس. الأفراد الذين يدعون ثقتهم بالآخرين، يتشاركون  استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل كبير. من ناحية أخرى، يُنظرللأشخاص المتاحون بشكل دائم على وسائل التواصل الاجتماعي، على أنهم يعانون الكآبة. يثير هذا الاستنتاج مزيد من الأسئلة حول ما إذا كان بعض الناس يتصلون من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لبناء احترام الذات أو للشعور بشكل أفضل حيال أنفسهم.

الأهم من ذلك، تشير دراستنا أنه بدلا من الافتراض بأنه يجب على الأشخاص أن يكونوا متاحين على مدار اليوم، أو أن يكونوا صارمين بخصوص ذلك، يتوجب على القادة مساعدتهم على فهم اختياراتهم الفردية، والسماح لهم بالتعامل معها بمرونة، وتأمين التدريب اللازم لهم للتكيف مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعامل معها بطريقة مثلى. بهذه الطريقة سيتعامل الأشخاص مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كأداة مفيدة توفر خيارات وفرص عدة، وليس كمصدراً إضافياً للتوتر والقلق.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية