Supported Browser
التسويق

علم الأعصاب يفسر التفكير الجمعي

ليوني كوبان ، زميل أبحاث في التسويق بكلية إنسياد |

تؤثر المعلومات على كيفية تعاطي الآخرين مع الألم، وعلى الكيفية التي نستجيب بها له بدورنا.

الألم جوهر التجربة الإنسانية. وفي حين يعاني البعض في صمت، لا يضبط البعض الآخر أنفسهم عند أقل شعور بالألم. من الضروري فهم الألم لمعالجته والتعامل معه في العديد من الحالات الطبية المستعصية والمزمنة. في هذه المرحلة، كشف العلماء عن بعض الآليات الفيزيولوجية الأساسية وعن أهم الشبكات في الدماغ المسؤولة عن الشعور بالألم. وقد أصبح لدينا وعياً أكبر بكيفية انتقال إشارات الشعور بالألم من البشرة إلى الدماغ.

من المفاجئ ما توصل له علماء الأعصاب، الذين كشفوا أن تجربة الشعور بالألم لا تتعلق بنا وحدنا – فآراء الآخرين تلعب دوراً أيضاً. بمعنى آخر، آراء الآخرين لا تؤثر فقط على سلوكنا ولكنها تؤثر أيضاً على تجربتنا وطريقة استجابة أجسامنا. سيكون لهذا الاستنتاج آثار واسعة على عالم الأعمال كما سأوضح أدناه.

الاستجابة إلى التجارب والمعلومات الاجتماعية
في تجربة حديثة شاركني فيها كل من ماريكيه جيبما من جامعة أمستردام، ومارينا لوبيز سولا من مستشفى سينسيناتي للأطفال، وتور واجر من جامعة كولورادو بولدر، وجدنا أن المعلومات الموجودة داخل المجتمع حول الألم من شأنها زيادة تحفيز جزء معين في الدماغ، بشكل مختلف عن الافتراضات التي نبنيها بالاستناد إلى تجربتنا الشخصية.

هدفت الدراسة إلى فصل المكونات التي نبني عليها فرضياتنا حول الألم وكيف باستطاعة تلك الافتراضات التأثير على تجربتنا. من جهة أخرى، من الممكن أن تستند فرضياتنا على تجاربنا الشخصية. على سبيل المثال، إذا شاهدنا مؤخراً عملية جراحية مؤلمة. من ناحية أخرى، نبني الافتراضات بالاستناد إلى رأي الآخرين حول تجارتهم: المعلومات الاجتماعية حول إلى أي مدى ممكن أن يكون الأمر مؤلماً. وجدنا أن شبكات مختلفة في الدماغ كانت منخرطة بحسب مصدر المعلومات.

عرضنا المشاركين في التجربة إلى 96 لدغة حرارية في الساق، في الوقت الذي كانوا به داخل جهاز الرنين المغناطيسي. كانت الحرارة التي تعرضوا لها بنفس درجة سخونة فنجان قهوة: مؤلمة ولكن يتحملها معظم الناس. كما عرضنا عليهم 36 صورة تشير إما إلى درجات حرارة حارة أو باردة، ومجموعة من الصور لآراء أشخاص حول الألم.  قيموا خلال المسح بالرنين لدغة الحرارة لمدة ثانية وقمنا بقياس استجابة أدمغتهم.

في تجارب الخبرة المكتسبة، عرضنا على المشاركين صورة واحدة تبعتها صورة أقل ألماً (لحيوان)، وصورة تشير إلى الحرارة (سيارة)، مما خولنا من إنشاء رابط بين الخبرة المكتسبة وتقييم المشاركين لدرجة الألم.

كانت فرضيتنا أن الصور التي تنطوي على الألم بشكل كبير بإمكانها زيادة الشعور بالألم بالمقارنة مع تلك التي تنطوي على شعور أقل بالألم، حتى وإن تبعتها درجة حرارة متوسطة. أثبتت الفرضية صحتها، كما وجدنا أيضًا أن ليس جميع المشاركين قد تعلموا من التجربة.

وجدنا من جهة أخرى أن المعلومات الاجتماعية – الطريقة التي ينظر بها الآخرين للحرارة – لها تأثير كبير على كيفية استجابة المشاركين للألم. كانت تأثيرات المعلومات الاجتماعية قوية، حتى بعد المحاولة 96. علاوة على ذلك، لم تؤثر فقط على تجربتهم ولكنها أثرت أيضاً على طريقة استجابة أجسادهم للتعامل مع المعلومات الاجتماعية. على سبيل المثال، كان البرقوق أكثر حلاوة بعد الألم عندما عرضنا عليهم تقييمات عالية للألم من الآخرين مقابل تقييمات منخفضة للألم.

كنا قادرين من خلال استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي على رؤية أنماط أنشطة الدماغ المختلفة عند استجابتها لنوعين من التأثيرات. وجدنا تأثيرات المعلومات الاجتماعية في اللحاء الأمامي والمناطق الأمامية والجدارية في الدماغ، وكانت التأثيرات المرتبطة بالألم بشكل خاص مرتبطة بنشاط شبكات الانتباه في الجدار الأمامي و الخلفي. كما وجدنا الآثار المكتسبة أو المشروطة في المناطق الحوفيّة وفي المخيخ.

تأثيرات التغذية الراجعة
الآن بعد أن رأينا كيفية تجاوب الدماغ مع المعلومات الاجتماعية من حيث الألم، بإمكاننا إعادة اختبار كيفية تأثير آراء الآخرين على ردود أفعالنا وخياراتنا اللاحقة. لم تعد المعلومات الاجتماعية مجرد آراء لأصدقائنا وأفراد عائلتنا. ففي ظل الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي وتقييمات المستهلكين على منصات الإنترنت مثل فيسبوك، وأمازون وغيرهم، يكون التأثير الاجتماعي على نطاق أوسع بكثير. فكيف نستطيع تصفية المعلومات الاجتماعية الناجمة عن التقييمات الزائفة وتلك التي تم شراءها على أمازون والمنصات الأخرى؟

مع الأخذ بعين الاعتبار النتائج التي توصلت إليها أبحاثنا، التي وجدت بدورها أن التقييمات الاجتماعية تؤثر على التجربة الشخصية، يجب أن نبدأ بالأخذ بتأثيرات التغذية الراجعة. في دراسة أجريت مؤخراً مع جيبما، أثبتنا أن المعتقدات القوية حول الألم بإمكانها أن تعوق التعلم وتؤدي إلى تحيزات .

كون ذلك يحتمل أن ينطبق على عالم الأعمال، إذا ما قام أشخاص بتقييم منتج أو خدمة بشكل إيجابي، ستكون تجربة الآخرين مدفوعة بتلك التقييمات. وينطبق الأمر ذاته على التقييم سلبي. كون التقييم يؤثر على الطريقة التي ينظر بها إلى المنتج، سيؤثر ذلك بدوره على تقييم المستهلك الجديد. فمن تغذية راجعة لآخرى، قد يتم خلق دوامة قد تؤدي بدورها إلى تقييمات سلبية أو إيجابية مبالغ فيها.

الضوابط الشخصية والمجموعة
بالاستناد إلى قوة تأثير المعلومات الاجتماعية، نحن بحاجة للنظر جيداً بالتأثير الحقيقي للتقييمات الاجتماعية وطريقة ضبطها. فعندما يكون التقييم صادق قد يكون مفيداً. مع ذلك لابد وأنه تمت المبالغة به بعض الشيء ويجب النظر إليه عن كثب. يجب أن يكون الأشخاص على علم بالكيفية التي تؤثر بها التأثيرات الاجتماعية، وتأثير التقييمات، وكيف تم الحصول على ذلك التقييم. قد يشكل ذلك تحدياً كون غالبية الأشخاص غير مدركين لمدى تأثرهم بالآخرين.

لم نخبر المشتركين خلال الدراسة عن الأشخاص الذين قاموا بتقييم الألم، بذلك لم تكن المعلومات الاجتماعية مرتبطة بمجموعة محددة. تناولت دراسة أخرى دور المعلومات من داخل المجموعة مقابل معلومات من خارج المجموعة. بالعموم كان الأشخاص أكثر تأثراً بتقييمات الأشخاص ضمن المجموعة – الآتية من أشخاص يشبهونهم أو يثيرون انتباههم – والتأثير كان أقل عندما أتت من أشخاص خارج المجموعة. أظهرت دراسة مع الأطفال أنهم يميلون لانتظار الحصول على قطعة حلوى، في حال كان الأشخاص ضمن مجموعتهم ينتظرون أيضاً. ويكونوا أقل صبراً في حال كان الذين ينتظرون من خارج المجموعة. لذا يعتمد التأثير الاجتماعي على مصدر المعلومات، والذي ربما يجعلنا أٌقرب إلى أشخاص نتشابه معهم. قد يؤدي ذلك بالإضافة لنظام التصفية إلى استقطاب الأشخاص من داخل المجموعة بشكل أكبر، والبعد عن المجموعات الأخرى.

رأيك الشخصي
الآثار الكبيرة للمعلومات الاجتماعية لها تأثيرات على صنع القرار في الحياة الواقعية. في عالمنا المدفوع بالبيانات، تكون آراءنا وسلوكياتنا محسوبة باستمرار. ربما حان الوقت للتراجع خطوة عن تقييمات وسائل التواصل الاجتماعي، ومراجعة تقييم المطعم قبل تجربته. أظهرت أبحاثنا أن المعلومات الاجتماعية تؤثر ليس فقط من سلوكنا، بل وعلى طريقة رؤيتنا للأمور. قد يكون الوقت قد حان لإعادة تركيز انتباهنا على أحاسيسنا الفعلية، وتحديد أولويات خبراتنا العقلية في سبيل التخلي عن التحيز المسبق لدينا، والذي سببه التقييمات والنجوم على منتج أو مطعم.

ليوني كوبان ، زميل أبحاث في التسويق بكلية إنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية