Supported Browser
التسويق

كيف تحافظ العلامات التجارية على حضورها في العصر الرقمي؟

يورج نايسينج، أستاذ مشارك في التسويق في إنسياد، وتوسن النوشكتي، شريك والرئيس الإقليمي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط، برفيت |

إن العلامات التجارية الأقرب من المستهلكين هي ليست تلك التي تتوقعها

غدا مفهوم التمييز التجاري مبهماً إلى حدٍ ما. وفيما تعي الشركات أن العلامة التجارية قيمةٌ جداً، إلا أنها لا تستوعب بشكل تام الآلية التي تعمل وفقها، وهذا أمرٌ متوقع، لا سيما وأن الأدوات المستخدمة تاريخياً في قياس مدى نجاح العلامة التجارية، تقتصر على جوانب معينة فقط، مثل أرقام المبيعات، ومدى تعرف الجمهور على العلامة، وسمعة العلامة التجارية. وعلى الرغم من أهمية هذه الجوانب، إلا أنها لا تروي القصة الكاملة.

في عالم اليوم الرقمي، يمكننا القول بأن مدى ارتباط العلامة التجارية بالمستهلكين، هو أكثر أهمية من مدى تعرفهم عليها. في الماضي، ربما كان من الكافي غرس اسم علامة تجارية في ذهن المشتري كي يختار منتجك من بين المنتجات المنافسة عند تسوّقهم من المتاجر. ومن جهة أخرى، تغيّر مفهوم الولاء للعلامة التجارية بشكل كلي تماماً في العالم الرقمي. وغدت العلامة التجارية الناجحة اليوم، هي تلك التي تصدر تلقائياً من شفاه العملاء عند قيامهم بتسوّق البقالة الأسبوعية عبر جهاز "أليكسا"، المساعد الرقمي من شركة أمازون، أو إلى أصابع العملاء عند قيامهم باستخدام محرك البحث قوقل للحصول على معلومات إضافية قبل إقدامهم على شراء مشتريات كبيرة. هذه هي النقطة المفصلية للتميز التجاري في القرن الحادي والعشرين.

وبعبارة أخرى، فإن العلامات التجارية ذات الصلة لا تتمتع بميزة تنافسية فحسب، ولكنها أيضًا مدمجة بشكل فريد في حياة (وقلوب) العملاء. وبشكل عام، يمكن دائماً رفع اسم علامتك التجارية من خلال ميزانية تسويق كبيرة بما يكفي؛ ولكن قرب العلامة التجارية من المستهلكين لا يمكن استحداثه على نحو مماثل، فهو يحدث بشكل تلقائي عند وضع الزبون في مقدمة استراتيجية العلامة التجارية.

مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية Brand Relevance Index
لقياس مدى ارتباط العلامة التجارية، لا بدّ أن نذهب مباشرةً إلى المستهلك، وهذه هي الفكرة الأساسية من وراء مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية Brand Relevance Index، الذي أُطلق مؤخراً في العام 2018. ويصنف المؤشر المئات من كبريات العلامات التجارية من مختلف أنحاء العالم، وفقاً لمدى ارتباطها بالمستهلكين الفعليين. هذا واستندت نتائج هذا العام، إلى استبيان استطلع آراء 50.000 مستهلك من أربع أسواق رئيسة، هي الصين وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتم تخصيص التقارير لكل من هذه الأسواق وفقاً للعلامات التجارية الأكثر صلة بها.

ومن هنا يبرز السؤال، كيف نقيس مدى ارتباط العلامة التجارية؟ والجواب هو: من خلال إعداد أبحاث كمية، تتضمن قائمة تحتوي على 50 سمة لوصف كيف يرى المستهلكون العلامات التجارية. ومن خلال إجراء أبحاث كمية دقيقة وتحليلات لمتغيرات متعددة، تم تخفيض هذه القائمة الأولية إلى 16 سمة تقيس مدى ارتباط العلامة التجارية بالمستهلكين. وتنقسم هذه السمات إلى أربع أقسام رئيسة، هي:

• تمحورها حول العملاء (Customer obsessed) - العلامات التجارية التي تعمل بلا كلل لترسيخ مكانتها في بالأنماط المعيشية للمستهلكين، حيث صنَّف المشاركون في الاستبيان كل علامة تجارية استجابةً للمطالب التالية: "لا أستطيع تخيل الحياة بدونها"، و"تلبي حاجة مهمة في حياتي"، و"تجعلني سعيداً"، و"تتواصل معي على الصعيد العاطفي".
• واقعية جداً (Ruthlessly pragmatic) –العلامات التجارية التي تفعل كل ما يتطلبه الأمر لتدعم عملائها. واستطلع الاستبيان آراء المشاركين يه حول ما يلي: "إذا ما كانت العلامة التجارية متاحة أين ومتى أحتاج إليها"، و"تجعل حياتي أسهل"، و"تقدم تجربة متناسقة"، و"أعلم أنه يمكنني الاعتماد عليها".
• درجة عالية من الابتكار (Pervasively innovative) - العلامات التجارية التي تتطور باستمرار لتستبق التغيرات التقنية وتوجهات المستهلكين. الاستطلاعات ذات الصلة: "تعمل على تغيير الوضع القائم"، و"تتفاعل معي بطرق جديدة ومبتكرة"، و"لديها منتجات وخدمات وخبرات أفضل من منافسيها"، و"دائماً ما تجد طرقاً جديدة لتلبية احتياجاتي".
• مستوى عالٍ من التميّز (Distinctively inspired) - العلامات التجارية ذات طابع طموح وسحري، وتتماهى مع تطلعات المستهلكين. الاستطلاعات ذات الصلة بالموضوع: "تجعلني أشعر بالإلهام"، و"لها هدف أؤمن به"، و"أنا أثق بها"، و"كونها عصرية ومتصلة بالعالم من حولي".

وتشكل هذه الركائز مجتمعة ما يشار إليه في مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية (Brand Relevance Index)، بمصطلح "متصلة بعنفوان" (relentless relevance)، ويؤكد المؤشر أن العلامات التجارية المتصلة بعنفوان هي أكثر قدرة على النجاح والازدهار في مستقبل متسارع الخطى.

علاقة الارتباط الإيرادات
هناك علاقة قوية بين الترابط الوثيق مع المستهلكين والأداء المالي الممتاز. وعلى مدار السنوات العشر الماضية، شهدت العلامات التجارية التي حققت مراتب متقدمة في المؤشر، ارتفاعاً لافتاً في إيراداتها بمعدل أسرع بثلاث مرات من متوسط مؤشر S&P 500، كما ارتفعت معدلات نمو أرباحها بمعدل 205 ضعف أسرع من نظيراتها.

وعلى الرغم من ذلك، فقد يقول بعض المشككون أن ذلك ليس مفاجئاً تماماً، نظرًا لأن المتفوقين بحسب مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية، يشتملون على شركات تعتبر عماداً للاقتصاد الرقمي، مثل شركة "أبل" (المرتبة رقم 1 في ثلاثة من أصل أربعة بلدان)، وجوجل وأمازون. وتبرز هنالك فوراً قيودا جليّة على المؤشر: فبدلاً من سؤال المستهلكين عن العلامات التجارية الأكثر ملاءمةً لهم، والانفتاح على أي إجابة، عرض المؤشر مجموعة منتقاة من المرشحين البارزين. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تم تضمين 299 علامة تجارية تمثل عشرات من الفئات.

وبالتالي، لا يوجد هنالك أي معطيات مضللة في المعلومات التي يوفرها المؤشر، فهو يرسم صورة واضحة المعالم للتوجهات الحالية في الأسواق، ولكنه لا يكشف عن اللاعبين الناشئين البارزين القابعين على الهامش. لذا، يبقى الغموض سيّد الموقف بالنسبة للمستقبل.

ومن جهة أخرى، تضم قائمة المتنافسين في المؤشر، بعض الشركات التي حققت أداءً لافتاً. فعلى سبيل المثال، جاءت شركة "ليغو" (LEGO) في المراكز العشرة الأوائل في كل من المملكة المتحدة وألمانيا، فيما حلّت في المرتبة الحادية عشر في الولايات المتحدة. نعتقد أن شركة "ليغو" اكتسبت مكانة خاصة في قلوب المستهلكين من خلال تحقيقها التوازن في مجال الابتكار (حيث تدمج بين اللعب الرقمي والمادي) والموثوقية (فهي لم تبتعد عن منتجها الأصلي). كما تتفوق شركة "ليغو" أيضاً في مجال التفاعل مع العملاء، من خلال منتديات مجتمعية توفر الفرصة للمستخدمين لتقديم أفكار لمنتجات جديدة، وتطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي الآمنة للأطفال.

وفي المملكة المتحدة، جاءت شركة "لاش" (Lush) المختصة بمستحضرات التجميل، في المرتبة السادسة عشر، بجانب علامات تجارية عالمية راسخة، مثل "نايكي"، و"ديزني"، و"أوبر" (كما تفوقت بثلاث مراتب على الشركة المنافسة لها، "بينيفت"). ونرى أن ترابط "لاش" بالمستهلكين، يأتي نتيجة الانطباع القوي الذي تتركه في المستهلكين حول مناصرتها للقضايا الهادفة، إذ تعمل الشركة بكل فخر وبعلانية، على دعم قضايا اجتماعية بارزة، مثل حماية الحيوانات والبيئة وحقوق الإنسان. 

وفي الولايات المتحدة، تبوأت علامة لاصق الجروح "باند إيد" (Band-Aid) مرتبة غير متوقعة وهي رقم 24، كما تفوقت على جميع العلامات التجارية في خانة "أنا أثق". بشكل عام، نميل إلى ربط التقارب مع التقنيات المتطورة بشكل تلقائي، لكن علبة الضمادات المتواضعة والموثوقة في صندوق الإسعافات الأولية، يمكن أن تتمتع بصلة وثيقة بالمستهلكين.

قيمة العلامة التجارية
ومن المفيد أيضاً مقارنة نتائج مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية، مع قائمة أفضل العلامات التجارية العالمية الراسخة، والتي تهدف إلى تصنيف العلامات التجارية وفقاً لقيمتها. ومن اللافت أن نرى طيفاً من العلامات التجارية التي تعد من بين العلامات التجارية الأكثر قرباً من المستهلكين، ولكنها لا تتمتع بأي وجود يذكر ضمن مؤشر قيمة العلامة التجارية، مثل Pinterest وNetflix وSpotify. وعلى الرغم من أن هذه الشركات الرقيمة حديثة العهد، إلا أنها تتمتع بجموع غفيرة من المستخدمين المخلصين، إلا أن قدرتها على تحقيق الربحية غير مستقرة. وفي ذات الوقت، فأن بعض العلامات التجارية عالية القيمة، كشركتي "مرسيدس-بنز" و"كوكا كولا"، فأنها لا تصل إلى المراتب الخمسين الأولى ضمن مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية، مما يدل على أن هذه العلامات التجارية تلحق بالركب ببطء.

ولا نلمّح هنا أن تصنيف العلامات التجارية يجب أن يكون مبنياً إما على قيمتها أو على مدى تقاربها من المستهلكين؛ بل أنها ستحتاج للفوز في كليهما، كي تحقق الازدهار في الأوقات الصعبة المقبلة. وبالنسبة للعلامات التجارية التي تحتل مرتبة متقدمة في جانب واحد فقط، قد يكون التعاون بين الأضداد حلاً بسيطاً. ومن شأن العلامات التجارية التي تتمتع بالقرب من المستهلكين ولكنها لا تملك أسساً مالية متينة، أن تكتسب درجة أعلى من المصداقية مع المستثمرين، فيما تتمكن العلامات التجارية الراسخة، من بعث الحياة مجدداً في علاقاتها مع المستهلكين.

وبالنظر إلى كلا المؤشرين، يتوضح أن مكانة شركة "أبل" هي التي يتوجب على العلامات التجارية السعي للفوز بها. أن الشركة التي أطلقها ستيف جوبز حققت المرتبة الأولى في كل من مؤشر ارتباط المستهلك بالعلامة التجارية، ومؤشر أفضل العلامات التجارية العالمية، لتشكل مثالاً حياً على ما أشار إليه خبراء التسويق، منذ زمن طويل، لأعظم العلامات التجارية: القدرة على الإلهام والتمكين وتغيير معنى حياة المستهلكين في نهاية المطاف.

يورج نايسينج هو أستاذ مشارك في التسويق في إنسياد، ويشارك في إدارة برنامج ريادة إستراتيجية التسويق الرقمي في إنسياد.
توسن النوشكتي، هو شريك والرئيس الإقليمي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط، بروفيت، الشركة الاستشارية العالمية المختصة بالتميز التجاري والتسويق

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية