Supported Browser
القيادة والمؤسسات

لماذا يجب على القياديين تقبُّل جانبهم المظلم

مانفريد كيتس دي فريس، أستاذ متميز في تطوير مهارات القيادة والتغيير المؤسسي بكلية إنسياد. |

عدم إدراكك لظلك الذاتي سيقف عائقاً أمام فرصتك بأن تكون قائدًا حقيقيًا.

بدا جون بالنسبة للكثيرين شخصاً منضبطاً ذو أخلاقيات ويكد بعمله. تخرج من جامعة إيفي ليغو وانضم إلى بنك استثماري رغبة منه بإثبات أن التلاعب المالي الذي شوه تلك المهنة ليس إلا بضع تفاحات فاسدة، أصبح جون ناشطاً في العديد من المؤسسات الغير حكومية وغير ربحية، مما عزز من سمعته الحسنة.

مع ذلك، حصل تحول مع جون عقب زواجه. حيث انضم للعمل مع أحد الأشخاص الأثرياء الذي كان بمثابة النقيض عن كل شيء يؤمن به جون. مع خيبة أمل أصدقاءه، دافع جون عن سلوك رئيس عمله وحرّف العديد من الحقائق في المقابلات. تساءل البعض إذا ما كانت متطلبات زوجته خلف هذا التغيير. بينما اعتقد البعض الآخر أن سبب ذلك هو تعاطيه للمخدرات.

للأسف لا يعتبر هذا المثال استثناءً، فمثل هذه التحولات تحدث دائماً، ليس فقط في عالم الأعمال، بل بعالم السياسية أيضاً، في عالم يتم به التخلي عن المبادئ لصالح المركز. يرغب العديد من الأشخاص من أن يكونوا قريبين من مصادر القوة، ويكونوا مستعدين للتخلي عن أخلاقياتهم إن تطلب الأمر. ربما كانت الأخلاقيات التي يظهرونها أمراً شكلياً. ففي النهاية يغري المال والمجد أية دعوة لصحوة الضمير.

فما هي الآليات النفسية التي تقف خلف هذه التحولات؟ ولماذا يخضع الأشخاص لما يبدو أنه تغير مفاجئ في الشخصية؟

الظل الذاتي

نجح جون لفترة طويلة في إظهار نفسه على أنه شخص ذو أخلاق. ومن ثم ظهر الجانب المظلم بشخصيته. هل لدينا جميعاً جانب خفي يطفو إلى السطح في ظروف معينة؟ للإجابة على هذا السؤال ننتقل إلى كارل يونغ مؤسس علم النفس التحليلي.

جعل يونغ "الظل" مصطلحاً شائعاً لوصف الجانب الغير مرغوب بشخصيتنا، وجوانب الشخصية التي نحاول إنكار وجودها أو تجاهلها.  يتألف هذا الظل من رغبات وعواطف ودوافع مكبوتة، يتم إخفاءها عن وعي وإدراك، ولكنها قد تسيطر على تصرفات الشخص.

للعيش كبشر متكاملين يرى يونغ أنه يجب أن ندرك هذا الجانب المظلم فينا. فما نكبته لا يختفي ببساطة وعلى العكس، إذا لم نعيره انتباها، فقد يقوم الجانب المظلم بالسيطرة بشكل أكبر على أفكارننا ومشاعرنا وخياراتنا وأفعالنا.
بعبارة أخرى، عدم الاعتراف بظلنا يعتبر أحد أكبر العوائق التي يواجهها الشخص خلال سعيه للعيش بصدق. و قد يترتب عن عدم دمجه بشخصيتنا عنه عواقب وخيمة. قد يعاني الشخص في بعض الحالات من اضطراب الهوية الانفصالية، وهو اضطراب عقلي يتسم بوجود شخصيتين بارزتين للشخص.

عند إسقاط ذلك على شخصيتنا، قد نعزو التحول بشخصية جون إلى ظله الذي أصبح يسيطر على شخصيته. فبالرغم من مزاعمه، ربما كان منجذباً لحياة المشاهير والأغنياء – مصدر تلك الثروة الملعونة. ولكن ما هي الألاعيب النفسية التي استخدمها جون ليتعايش مع نفسه؟ وماهي آليات الدفاع التي أعطته تلك الراحة النفسية؟

التقسيم والتبرير كآليات دفاعية

البشر ليسوا عقلانيين  فعندما لا يوافق ضميرنا على بعض الأفعال، نجد أعذاراً لجعلها مقبولة. فمن خلال التبرير نحاول إعطاء أعذار للسلوكيات أو المشاعر محط الخلاف، كوسيلة لتفادي التفسير الحقيقي. يساعدنا ذلك في الحفاظ على احترامنا لذاتنا أو تجنب الشعور بالذنب حيال شيء نعرف في أعماقنا أنه خطأ.

التقسيم هو آلية دفاع أخرى نتبناها عندما يطغى الظل الذاتي على أفعالنا. فعندما لا نستطيع التعامل عاطفياً مع قضايا معينة، نضعها في حجرات ومن ثم نخزنها في زاوية مظلمة بعقلنا. من شأن ذلك تخفيف الشعور بعدم الراحة والقلق الذي يتسبب به وجود قيم ومعتقدات ومشاعر متضاربة في داخلنا.

كمثال على هذه الألعاب العقلية، التنفيذي الذي يتحرش بموظفاته ولكنه يتصرف كأب حنون ومحب لبناته. أو عضو مجلس الشيوخ الذي يدعي امتلاكه لمعايير أخلاقية عالية بينما يدافع عن رئيسه الكاذب والفاسق. هنا تأتي آلية التقسيم كوسيلة للتعامل مع مشاكلهم.

للأسف، ممكن أن يؤدي الجانب المظلم لتلك الآليات الدفاعية إلى تحطيم الذات. وبالنتيجة يسيطر ظلنا علينا. وبالرغم من أن حياتنا تبدو متجانسة، لكنها غير متزامنة. قد يتجلى هذا الاختلال النفسي بعلاقات شخصية مضطربة، وقلق (ربما كوابيس)، واكتئاب وأشكال أخرى من الاضطراب العقلي.

التخلص من خداع الذات
يتعين على قياديين مثل جون أن يتذكروا أن البنية الشخصية الكاملة ضرورية للصحة العقلية. ولتفادي الأثار السلبية للظل الذاتي، يجب أن نتقبل وندمج خصائصه في بنيتنا الشخصية بشكل عام. يبدأ ذلك بالاعتراف بالسلوك الغير سوي.

يجب أن نحاول إدراك المحفزات الخارجية التي تجعلنا نلجأ إلى آليات التبرير والتقسيم. فبمجرد تحديد تلك المحفزات بشكل واضح علينا تفاديها. وينبغي أيضاً أن نتقبل حقيقة أننا جميعاً لدينا مخاوف وشعور بعدم الأمان يتحكم بسلوكنا. الخطوة التالية تكون بالعمل على التغلب عليها.

في نهاية المطاف، يتمثل التحدي الحقيقي في التوقف عن خداع أنفسنا. ففي الحقيقة، قياديين أمثال جون سيستفيدوا من علاقاتهم العائلية، وعلاقتهم بأصدقائهم وغيرهم ممن يمكنهم التحدث إليهم (بما في ذلك إيجاد مرشد). وإن فشلوا في ذلك ستتدمر قدرتهم على القيادة بشكل دائم.

للحفاظ على الصحة العقلية، تذكر كلمات غاندي: " السعادة هي أن يكون ما تفكر فيه، وما تقوله، وما تفعله، منسجماً"

مانفريد كيتس دي فريس أستاذ متميز في تطوير مهارات القيادة والتغيير المؤسسي، وأستاذ كرسي من " راؤول دي فيتري دو فيتري دافوكورت" في تطوير القيادة في كلية انسياد لإدارة الأعمال . ومؤسس" مركز انسياد العالمي للقيادة " ومدير برنامج "تحديات القيادة" أحد أهم برامج انسياد لتطوير التنفيذيين

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية