Supported Browser
القيادة والمؤسسات

تأثير تجاهل الشركات للعلاقات الاجتماعية في عمليات إعادة التنظيم

سوزان لينش، أستاذ مساعد في العلوم الاستراتيجية في كلية إنسياد، وماري لويز مورس، أستاذ الإدارة الاستراتيجية والعولمة بكلية "كوبنهاغن" لإدارة الأعمال، وحائزة على شهادة دكتوراه من كلية إنسياد |

الطريقة التي نعمل بها معاً، هي أكثر من مجرد الالتزام بالهيكل التنظيمي

في إحدى المكاتب التابعة لشركة استشارية عالمية في ميلانو، اعتاد اثنان من الموظفين احتساء القهوة وتبادل الأحاديث على مدار سنوات عديدة. بَيْدَ أنّ علاقة العمل القيّمة بينهما، والتي اعتادوا خلالها مشاركة المعلومات حول العملاء وفريق العمل والمناخ الاقتصادي المحلي، قد تغيرت مؤخراً على إثر تطبيق استراتيجية جديدة وإعادة هيكلة الشركة وتغيير إجراءات التسلسل الإداري وأهداف الأداء لتصبح على مستوى إقليمي بدلاً من حصرها ضمن النطاق المحلي للمكتب. وعلى الرغم من تواجدهما المهني في نفس المكان، إلا أن الهيكليات المؤسسية الرسمية باتت تكافئهما الآن أقل على عملهما معاً وأكثر على عملهما مع الزملاء في المكاتب الأخرى. وفي الوقت الذي لا يزال فيه الزميلان يتمتعان بعلاقة عميقة تطورت عبر العمل معاً لسنوات عديدة، فرضت عملية إعادة التنظيم في الشركة إيلاء الأفضلية لاستثمار الوقت في بناء علاقات جديدة تلبي أهداف الاستراتيجية الجديدة بشكل أفضل بدلاً من قضاء الوقت في احتساء الاسبريسو.

تنفذ الشركات في كثير من الأحيان عمليات إعادة التنظيم دون أن تأبه كثيراً للعلاقات الشخصية التي قد تتأثر من جرائها. فقد تأثرت العلاقة بين هذين الزميلين بسبب إعادة التنظيم، وتتوقف درجة التأثر تلك بصورة أو بأخرى على مدى توافق تلك العلاقة مع التغييرات الرسمية. ومن الممكن أيضاً أن تقوض علاقتهما التغييرات التي تقرها المستويات القيادية العليا. فإذا لم يكن القادة على دراية بمثل هذه العلاقات الشخصية عند تنفيذ الاستراتيجيات الجديدة، فقد يغيرون التسلسل الإداري الرسمي، وسيكون تأثير ذلك على العلاقة ضئيلاً. ويمكن للعلاقات التي نشأت في ظل الهيكل الرسمي القديم أن تستمر وتعيق نجاح التغيير.

وقد كشفت دراسة تجريبية حديثة نشرت في صحيفة Long Range Planning أن العلاقات الشخصية العميقة لا تتأثر بالتغييرات الرسمية. ومن جهة أخرى، من المرجح للعلاقات المهنية المتداخلة للغاية والمتجذرة في شبكة علاقات الموظفين أن تمتثل للتغييرات. وشملت الدراسة، التي استندت إلى مقابلات استبيانية متعمقة، 884 علاقة مهنية لـ96 مشاركاً بعد مضي نحو 18 شهراً من تنفيذ عملية إعادة تنظيم كبرى في شركة استشارية عالمية. وباستخدام هذه البيانات، تمكنا من دراسة وتشكيل الرسم البياني الخاص بشبكات علاقات المشاركين.

شبكات مهنية
سُئل المشاركون خلال المقابلات الاستبيانية عن أهم عوامل نجاحهم المهني. انظر مثلاً لعلاقاتك في المكتب، وسترى أنها من المرجح أن تنمو وتصبح أقوى بمرور الوقت. وفي الحقيقة، تخلق تجارب العمل المشتركة الكثير من الالتزامات وأوجه الاعتماد المتبادل بين الزملاء. وفي إطار هذه الدراسة، قمنا بقياس عمق العلاقات بناءً على مستوى الاعتماد الشخصي وإمكانية استبدال العلاقة. فإذا كان من الممكن استبدال العلاقة بسهولة، فإن الدور المهني للزميل هو المهم بالنسبة لك وليس شخصه. وقد وجدنا أن وجود عمق شخصي للعلاقة، يجعلها أقل تأثراً بالتغييرات الهيكلية، حيث أن عمق العلاقات والاعتماد المتبادل على المستوى الشخصي هو ما يجمع الزملاء وليس الهياكل الرسمية للشركة ولا الضغوط التي تهدف لفرض الامتثال للتغييرات التنظيمية.

هناك منظور آخر يمكننا من خلاله دراسة العلاقات، وهو مدى تعمق هذه العلاقات في المحيط الاجتماعي الأوسع. وفي محيطك المهني الخاص، ستجد أن العديد من زملائك المقربين مرتبطين هم أيضاً بعلاقات عمل مشتركة مع بعضهم البعض. كما أن كافة أفراد فريقك على علاقة ببعضهم البعض - وهذه العلاقات متأصلة أكثر من الناحية الهيكلية. وتشير النتائج التي خلصنا إليها إلى أن التوافق والتماسك لهما تأثير كبير للغاية على علاقة أي شخصين يعملان في مؤسسة في حال كانا محاطين بالعديد من المعارف المشتركين. فعلى سبيل المثال، عندما تعمل ضمن فريق ويُطلب منك القيام بشيء مختلف، يمكن لبقية الفريق معرفة ما إذا كنت ملتزماً بالتغيير والسياسة الجديدة أو لا. وفي هذه الحالة، لديك فرصة جيدة للامتثال لأن هذه العلاقات تجعل الأمر ضرورياً أكثر وتشعرك بأن الجميع مشاركون في نفس رحلة التغيير الرسمي.

بالنسبة لصديقينا في ميلانو، ستشكل الطبيعة العميقة لعلاقتهما رد فعلهما إزاء عملية إعادة التنظيم. وبجانب ذلك، يعمل الشخصان في نفس المكتب وقد انضما إلى الشركة منذ فترة، لذلك من المحتمل أن يكونا مندمجين بشكل كبير في بيئة الشركة ككل. وهنا يصبح السؤال الملح هو: هل يعني عمق العلاقة والاعتماد المتبادل بينهما على المستوى الشخصي أنهما يقاومان التغييرات التي من شأنها إضعاف علاقتهما؟ أم أن اندماجهما في إطار الهيكل الاجتماعي للشركة يجعلهما أكثر ميلاً للامتثال للتغييرات؟ توضح دراستنا أن التواصل الشخصي أقوى ويمكنه الصمود حتى في مواجهة التغيير الذي قد يضعف العلاقة.

دروس مستقاة من العلاقات
في ظل تواصل الأشخاص بطرق مختلفة، وتأثير شبكات العلاقات داخل الشركة في تسهيل أو إعاقة التغيير الرسمي، سيكون في صالح الشركات التي تخطط لعملية إعادة تنظيم استراتيجية أن تأخذ ما يلي بعين الاعتبار:

1. من المرجح أن يتطلب تنفيذ تغيير استراتيجي إجراء تغييراتٍ في الهيكل التنظيمي الرسمي. ولن يقتصر نطاق تأثير التغيير على العلاقات الشخصية وحسب، بل سيكون لتلك العلاقات الشخصية دوراً في حجم تأثير التغيير.كما أن آليات تنفيذ الاستراتيجية تتجاهل في كثير من الأحيان النطاق الأوسع للشركة والأشخاص المساهمين في نجاحها. وتتمثل الخطوة الأولى للإدارة العليا في فهم أن التغيير التنظيمي قد يؤثر على العلاقات الشخصية.

2. من المحتمل أن تستمر العلاقات الشخصية العميقة وقد تقاوم إعادة الهيكلة التنظيمية. وسيكون التغيير أكثر فعالية بالنسبة للأشخاص المنخرطين بشكل كبير في الهيكل التنظيمي والمندمجين فيه. ومع ذلك، فالعلاقات الشخصية القوية قد تضعف فعالية إعادة التنظيم، لذلك يحتاج القادة إلى تفهم موقع العلاقات الشخصية القوية ومكانتها وسبل تحسينها والاستفادة منها.

3. نشوء علاقات جديدة بعد التغييرات الهيكلية الرسمية. وفي حالة التغييرات الواسعة، غالباً ما تكون العلاقات الجديدة متأصلة بقوة من الناحية الهيكلية ومتوائمة تماماً مع التغييرات المطبقة. وسيؤثر الهيكل الرسمي على طريقة تواصل الناس وتفاعلهم مع بعضهم البعض- أي كيف يقضون وقتهم ومع من يتحدثون والموضوعات التي يناقشونها. ولابد للقادة - في أعقاب عمليات التغيير الرسمي - أن يكونوا مدركين لمدى التأثير الواقع على العلاقات المهنية الجديدة والمنتهية.

ترى ميشيل روجان (كلية كينان فلاجلر للأعمال بجامعة نورث كارولينا) وماري لويز مورس (كلية كوبنهاغن لإدارة الأعمال) أن شبكة العلاقات تسهم بشكل مباشر في تشكيل أعمالَ جديدة ونمو المعرفة. وعندما يتمتع المدراء بالحرية لاستثمار مواردهم الشخصية (مثل الخبرة والمعرفة) في بناء شبكاتهم الخاصة، يكون معارفهم أكثر استعداداً لبذل مواردهم في المقابل. ومن شأن دمج كل ذلك في استراتيجية إعادة التنظيم أن يضمن للشركة عدم خسارة القيمة.

التغيير المرهق والشبكات غير الرسمية
وجدت سوزان لينش خلال تدريسها للتغيير التنظيمي أن الكثير من التغيير قد يكون له عواقب غير مستهدفة. فقد خلصت في دراسة سابقة لها إلى أن تطبيق عمليات إعادة التنظيم بشكل مستمر يؤدي إلى نمو سلطة الشبكات غير الرسمية وتجذرها. فعند غياب الهياكل التي توفر التوجيه، يلجأ الموظفون إلى إنشاء "شبكات بيروقراطية غير رسمية" لجعل التغيير مفهوماً ومنطقياً. ومن الممكن أن ترهق مثل هذه التغييرات المستمرة الشركة. لكن، حين يكون التغيير التنظيمي نادراً وينفذ بشكل جيد، تصبح الهياكل الرسمية أكثر تأثيراً ويمكن للشبكات غير الرسمية دعم التغيير وتمهيد الطريق أمامه.

ويشكل التحول الشامل على جميع المستويات أحد السمات المميزة للعصر الرقمي. وفي الوقت الذي يعتبر فيه التغيير التنظيمي إجراء ضرورياً، لكنه إن كان يحدث بوتيرة سريعة مماثلة  لوتيرة التغيير التكنولوجي، فإن العلاقات داخل الشركة ستكون عرضة لاختبارات قاسية لأن الموظفين غير قادرين على تحمل مثل هذا القدر من التقلبات. وعند التفكير في عملية إعادة تنظيم استراتيجية، يجب على الإدارة العليا أن تأخذ بعين الاعتبار تأثير الفراشة الناجم عن تغييراتهم "الصغيرة" وسبل تعزيز بيئة العمل والعلاقات الإيجابية بين الزملاء بدلاً من تقويضها.

سوزان لينش، أستاذ مساعد في العلوم الاستراتيجية في كلية إنسياد.

ماري لويز مورس، أستاذ الإدارة الاستراتيجية والعولمة بكلية "كوبنهاغن" لإدارة الأعمال، وحائزة على شهادة دكتوراه من كلية إنسياد.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية