Supported Browser
القيادة والمؤسسات

أساسيات التعامل مع التنمر في بيئة العمل

مانفريد كيتس دي فريز، أستاذ مساعد في تنمية المهارات القيادية والتغيير التنظيمي بكلية إنسياد |

القضاء على التنمر مهمة شاقة لجميع الأطراف المعنية

يشغل تيد منصب نائب الرئيس في شركة إعلامية كبرى، كان معروف بسوء تعامله مع الآخرين وإهانتهم على الدوام. وكان العمل معه أشبه بمحاولة المشي على قشور البيض، فهو سريع الغضب حتى على أتفه الأمور. بالإضافة إلى ذلك كان يوكل موظفيه بمهام لإنجازها ضمن مهلة زمنية غير كافية، وكأنه مصمم على فشلهم. وبالإضافة إلى سلوكه المتنمر، كان يتوقع أن كون موظفيه متاحين 24 ساعة يومياً، مما دفع الكثيرين للشكوى من ضغط العمل. قضى أسلوب تيد في الإدارة على الروح المعنوية للفريق الذي يعمل تحت إمرته، مما رفع معدل الغياب ودفع الكثيرين لترك عملهم.

عندما نفكر بالتنمر، يتبادر إلى أذهاننا التنمر في مرحلة الطفولة. ولكن ولسوء الحظ، لا ينتهي التنمر بانتهاء المرحلة الثانوية. فمع الوقت يتحول بعض المتنمرين إلى متمرسين عند الكبر. فهناك خط رفيع بين مدير صعب المراس والمدير المسيئ. يتحول الأمر إلى تنمر عند تكرار الإساءة العاطفية أو الجسدية. . فالمتنمرين يتعمدون التلاعب أو الاستخفاف أو السيطرة أو الترهيب أو التقليل من شأن ضحاياهم. وفي عصرنا الرقمي، أصبح التنمر متاحاً أيضاً في الفضاء الالكتروني.

اطرح على نفسك هذه الأسئلة لمعرفة إذا ما كنت تعمل مع شخص متنمر: هل أشعر عادة بالخوف والنقد والإهانة ؟ هل سبق وأنت تمت إهانتي أمام زملائي؟ هل نادوني بألقاب غير اسمي؟ هل يتم التقليل من أهمية  عملي؟ هل أخاف الذهاب إلى العمل؟ هل العمل لصالح مديري يشعرني بالاستياء؟ إذا كانت إجاباتك على هذه الأسئلة إيجابية، فهناك احتمال كبير بأنك تعمل مع شخص متنمر.

يوجد في معظم الشركات شخص متنمر وغالباً ما يكون في موقع السلطة. خلصت دراسة أجرتها مؤسسة "التنمر في العمل" في 2017، إلى أن 19% من البالغين في أميركا عانوا من التنمر في العمل، و19% آخرين شهدوا مثل تلك الحالات. فالتنمر وباء صامت، يسبب مشاكل صحية مرتبطة بالتوتر، بما في ذلك الشعور بالقلق، ونوبات الهلع والاكتئاب. وقد يتسبب التنمر في بعض الحالات بالانتحار.

شخصية المتنمر
من الصعب تحديد شخصية المتنمر. فقد يكون هناك علاقة بين التنمر واضطراب الشخصية النرجسية، التي يتميز صاحبها باستغلاله الآخرين، ويتصور أن من حقه الحصول على معاملة خاصة.  وكون المتنمرين يفتقرون إلى التعاطف والشعور بالذنب، ينسب لهم بعض خصائص الشخصية السيكوباتية. من الإنصاف القول أن أغلب المتنمرين يظهرون أحد أنواع الشخصية الاستبدادية والتي تنطوي على رغبة ملحة بالسيطرة على الآخرين.

الحوافز
لماذا يتصرف المتنمرون على هذا النحو؟ هناك مبرر واحد، فهم يسعون للحصول على الاهتمام. فالبقاء تحت دائرة الضوء يمنحهم شعور بأهميتهم. بالإضافة لذلك، ربما يكونوا مدفوعين بمشاعر الحسد والغضب. غالباً ما يكون المتنمرين غير مستقرين ولا يتطلب الأمر كثيراً لينظروا إلى الآخرين على أنهم يمثلون تهديداً. وقد ينفسون شعورهم بالعجز على ضحاياهم. كما يبذلون جهداً كبيراً لإهانة الآخرين لتفادي الشعور بالخزي والإهانة من عيوبهم.

النشأة
عايش الكثير من المتنمرين طفولة مضطربة. فقد نشأوا في منازل تفتقر إلى الدفء والاهتمام، وتعرضوا للإساءة على الصعيد العاطفي أو الجسدي. تعلموا من خلال الترعرع بمثل تلك البيئة أن الضعف يؤدي إلى التعرض للإساءة وأن الانتقاد هو أفضل وسيلة دفاعية. فمن خلال التحول إلى أشخاص متنمرين، يسيطروا بشكل أكبر على حياتهم ويعوضوا عن عدم الاهتمام (أو الأذى) الذي عانوه في المنزل.

التعامل مع المتنمر
على الرغم من الانتشار الواسع للتنمر في بيئة العمل، تُظهر الدراسات أن غالبية أصحاب العمل لا يتخذون خطوات جدية أو إجراءات للحد من السلوك المتنمر. لماذا؟ الإجابة سهلة، وهي أن الجناة قد يكونوا من الإدارة العليا. ولكن حتى في حال لم يكونوا كذلك، من الملاحظ إنكار حدوثه أو تسويغه أو حتى تقبله ضمنياً.

قد يتغاضى الأشخاص في السلطة عن التنمر بسبب مساهمة الأشخاص المتنمرين في أرباح الشركة. بمثل تلك الحالات،  يتم التسامح مع المتنمرين طالما يساهمون بنجاح الشركة على المدى القصير. ولكنهم بذلك يتغاضون عن الأمور الأخرى التي تتكبدها الشركة والمرتبطة بالثقافة السائدة، ناهيك عن التأثيرات السلبية على الصحة، والشعور بالتوتر والإجهاد، وتعرض الموظفين للاكتئاب، التي ممكن أن تؤثر على استمرارية الشركة على المدى الطويل.

يشكل الأمر تحدياً بالنسبة للتنفيذيين الذين يدركون خطر التنمر ويرغبون بعمل شي حياله. وقد يكون من الصعب أن يتخلص المتنمر من سلوكه. وإذا ما أصبح التنمر جزءً من ثقافة المؤسسة، يصبح التغيير تحدي هائل.

دور التدريب التنفيذي
في حال كان التدريب وسيلة للتعامل مع التنمر، ينبغي على المدرب أن يكون على دراية بأن المتنمرين يمتلكون رؤية ذاتية محدودة وينطبق الأمر على تعاطفهم مع الغير، مما يجعل مسألة تغيير سلوكهم أمراً أكثر إشكالية. لذا يجب أن يبدأ المدرب بنقاشات سطحية حول تصرفات بسيطة  تستدعي التغيير قبل الخوض بالديناميكيات الأساسية للسلوك المضطرب.

يشكل التحدي نوع من الخطة العلاجية. على سبيل المثال، قد ينظر المدربين باستراتيجية العصا والجزرة: يجب أن يكون المتنمر على دراية بالعواقب المترتبة عن عدم تغيير سلوكه مع الآخرين. وهناك نهج آخر يجب الاتفاق عليه حيال أحد السلوكيات السلبية التي تتطلب استبدالها بسلوك أكثر إيجابية. وبمجرد حدوث التغيير يتم الانتقال إلى المرحلة الآخرى الأصعب. ويجب أن يدرك المتنمرون خلال هذه المرحلة الآثار السلبية لأفعالهم وأن يتحملوا مسؤوليتها.

الوجه الآخر للعملة: أن تكون متنمر
ماذا يتوجب عليك فعله إذا كنت الشخص المستهدف للمتنمر؟ الاستراتيجية الأكثر حكمة تكون بتفادي التعامل مع هؤلاء الأشخاص بشكل كلي. ولكن في حال لم يكن هذا الخيار مطروحاً، يكمن التحدي بعدم الانخراط معهم بنفس اللعبة. لا تسمح لنفسك بأن تكون طعماً أو متورطاً على الصعيد العاطفي. فهناك احتمال أن يتوقف المتنمر عن أفعاله في حال عدم الاستجابة لهم.

إذا استمر المتنمرين في سلوكهم غير المستحب، لا بد من تغيير الاستراتيجية لوضع حدود للمسألة. يجب تنبيههم أن سلوكهم يتم توثيقه وقد يواجهون إجراءات تأديبة. علاوة على ذلك، يجب طلب الدعم من الزملاء ليكونوا شهوداً على مثل هذه السلوكيات وتوثيقها. فعادة ما يستمر التنمر في ظل سكوت المحيطين الغير الراغبين بالمساعدة. ويجب عليك إبلاغهم أن السكوت على التنمر يعتبر أحد أشكاله أيضاً.

من الضروري إثبات تأثير التنمر على إنتاجية الأشخاص العاملين في الشركة عند تقديم شكوى لقسم الموارد البشرية. وينبغي أن تشرح بشكل واضح لرؤساءك وتحاول إقناعهم أن التنمر سيكلف الشركة على المدى الطويل.

أخيراً، في حال تعرضك للتنمر، يجب أن تكون حكيماً بما يكفي، وتحاول بناء شبكة علاقات لتعزيز مشاعرك بالثقة والصلابة، كون المتنمرين خبراء في زعزعة ثقتك بنفسك. بالطبع في بعض الحالات تشجع الإدارة العليا على سلوكيات التنمر. بتلك الحالة تكون الاستراتيجية الأخيرة هي ترك هذه البيئة الغير صحية، فالبقاء في الشركة له سلبياته أكثر من إيجابياته.

بغض النظر عن محاولات المتنمرين لإيذاءك، تذكر حكمة إليانور روسفيلت: "لا يستطيع أحد أن يجعلك تشعر بالدونية دون رضاك ".

مانفريد كيتس دي فريز، أستاذ مساعد في تنمية المهارات القيادية والتغيير التنظيمي بكلية إنسياد، وأستاذ كرسي في تنمية المهارات القيادية من راؤول دي فيتري دافوكور. مؤسس "المركز العالمي للقيادة" في إنسياد، ومدير برنامج "تحدي القيادة" أحد أهم برامج إنسياد المعنية بتطوير التنفيذيين.

يشغل كيتس أيضا منصب المدير العلمي لبرنامج الماجستير التنفيذي في التدريب والاستشارات من أجل التغيير. آخر مؤلفاته:

You Will Meet a Tall, Dark Stranger:
Executive Coaching Challenges
Telling Fairy Tales in the Boardroom
How to Make Sure Your Organization Lives Happily Ever After
Riding the Leadership Rollercoaster
An Observer’s Guide

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟