Supported Browser
القيادة والمؤسسات

المستويات الثلاثة للقيادة

إيان سي وودوارد، أستاذ في الممارسات الإدارية بكلية إنسياد، ومدير برنامج "الإدارة المتطورة" برنامج إنسياد للتعليم التنفيذي  |

يجب على القادة صقل قدراتهم للجمع بين الرؤية المستقبلية، والتنفيذ التكتيكي والإدراك الذاتي - عبر المستويات المختلفة للقيادة

لطالما احتلت القمم والمرتفعات مكانة خاصة في تاريخ الإنجاز البشري. نستذكر هنا السير إدموند هيلاري وتنزينغ نورجاي الذي ينتمي لقوم الشيربا في نيبال كأول أشخاص نجحوا في تسلق قمة ايفرست. وهناك رائد الفضاء الروسي، يوري غاغارين، أول إنسان يطير في الفضاء الخارجي، ونيل أرمسترونغ، أول شخص على سطح القمر. ومؤخراً نجح النمساوي فيليكس بومغارتنر في 2012 من القفز من كبسولة على ارتفاع 127,000 قدم.

الأمر مماثل في عالم القيادة فالارتفاعات كبيرة أيضا. لكن الاهتمام أقل بالمستوى الذي يستطيع القيادي إنجازه، ومن ثم كيفية تنقله بسلاسة ما بين المستويات الثلاثة للتفكير القيادي.

طور رام شاران، مؤلف ومستشار وباحث، عقب فترة كبيرة قضاها في مراقبة الرؤساء التنفيذيين والقادة، مفهوماً لمستويات القيادة. وبناءً عليه، قمنا بتطوير إطار عمل يركز على أهمية التفكير المرن لنجاح استراتيجية القيادة بما يتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين الذي ينطوي على تحديات عدة.

يوجد ثلاث مستويات للقيادة هي: 50,000 قدم و50 قدم و5 قدم. يطور القياديين الناجحين تفكيرهم بما يتناسب مع المستويات الثلاثة، وليس البقاء في مستوى واحد. بحيث يكون من السهل التنقل بين المستويات، وخلق رابط بينها. باستخدام هذا القياس يستطيع الأشخاص التركيز بطريقة بسيطة ولكن عميقة، على توليد رؤى قيادية هامة، بحيث يختلف كل مستوى عن مثيله بشكل واضح.

الترابط بين المستويات الثلاثة للقيادة
المستوى 50,000 قدم - الارتفاع الأقصى للطائرات التجارية – يمتلك القياديون القدرة على رؤية الأمور بشكل أوضح واستكشاف الفرص في التغيير، وربط العالم الخارجي الديناميكي للعملاء والأسواق وتغيير الصورة الكلية لمؤسساتهم. وعند هذا المستوى يستطيع القياديين دفع عملية التحول والابتكار عبر أفعال باستخدام ما أطلق عليه "الرؤية البانورامية".

المستوى 50 قدم وقت العمل الملموس، المستوى التكتيكي على ارتفاع قريب من الأرض. يشمل التفكير عند هذا المستوى أهدافاً دقيقة قصيرة الأجل وخطوات حاسمة للتخطيط والتطبيق والتنفيذ. هنا يستطيع القياديين التفاعل مع شبكة علاقاتهم من داخل وخارج المؤسسة.

وأخيرا وليس آخرا، القدرة على التفكير عند مستوى 5 قدم، الذي يمثل المستوى الشخصي. يجب على القياديين أن يكونوا على مستوى عالي من الإدراك الذاتي، وفهم الأمور التي يتوجب عليهم فعلها في سبيل تطوير نفسهم. فعند هذا المستوى يستطيعون الانتقال إلى المستوى التكتيكي 50 قدم  ومن ثم يصلوا إلى لفهم الصورة الأكبر التي يتيحها المستوى 50,000  قدم.

تستطيع المستويات الثلاثة من وجهة نظري، جمع العقليات المعقدة والمتناقضة (عالمية واستراتيجية وتكتيكية وتخلق قيمة وفكرية وخلاقة وتعلمية وعاطفية...) في بعض الأحيان لتتمتع بالبصيرة والإدراك على عدة أصعدة.

مستويات القيادة على أرض الواقع
يمتلك العديد من القياديين القدرة على ربط المستويات الثلاث. وهناك أمثلة بارزة على ذلك مثل وارن بافيت في بيركشاير هيثواي، أو جيل كيلي الرئيس التنفيذي السابق لبنك ويستباك في أستراليا. اللذان نجحا بسهولة بربط الاستراتيجية الرئيسية بخطة عملهم اليومية، مع الحفاظ على اتجاه صحي من الوعي الذاتي. لا ينطبق الأمر على القياديين المعاصرين فقط، فهناك ماري كوري، التي رأت إمكانيات في النشاط الإشعاعي لتقود تجارب على مدار عدة أعوام مظهرة شجاعة ومثابرة ومرونة منقطعة النظير.

يوجد أيضاً قيادين على الرغم من حفاظهم على مرونتهم، يحققون نتائج ملموسة عند مستويات معينة. فعند مستويات 50,000 قدم يوجد مفكرين على غرار  إلون ماسك، وجاك ما أو ستيف جوبز. وعند مستوى 50 قدم، نجح قياديين مثل لاري بوسيدي (الرئيس التنفيذي السابق لشركة هانيويل) في تحويل الإنجازات إلى تركيز مطلق. وشرح في كتابه "Execution"، الذي شاركه في تأليفه رام شاران، ارتباط المرونة والفطنة التي يظهرها القائد بشكل يومي مع الرؤية الأوسع للمؤسسة وكيفية النهوض بالأفراد وفرق العمل. على غرار شيريل ساندبرغ، الرئيس التنفيذي للعمليات في فيسبوك، الذي يعد نموذجاً للقيادة الذاتية، ويظهر مدى تشابك العمليات برؤية المؤسسة وأهمية التنوع.

يمكن لقياديين آخرين ترك أثر كبير عند مستوى 5 أقدام أيضا. على سبيل المثال، خلق تشاد-منغ تان، أحد مهندسي غوغل الأوائل ، اتجاه "البحث داخل الذات" في الذكاء العاطفي والإدراك في 2006 – 2007 . والذي أصبح في نهاية المطاف مؤسسة للقيادة. التقيت خلال برنامج الإدارة المتطورة  في كلية إنسياد، مئات التنفيذيين ممن يمتلكون وعياً ذاتياً والتزام بسد الثغرات التي تقف في طريقهم لتحقيق الأفضل.

داء المرتفعات
كان مفاجئاً خلال أبحاثي اكتشاف أن 70% من التنفيذيين الكبار أبدوا ظاهرة نطلق عليها "داء المرتفعات". وعلقوا في أحد المستويات الثلاثة. فافتقارهم للمرونة قد يضعهم وفرقهم ومؤسساتهم في وضع حرج.

أكبر مجموعة هي تلك التي تبقى عند مستوى 50 قدم وتقاوم أي محاولة للتغيير. يشبههم رام شاران بشيء عالق في "مرآة الرؤية الخلفية". فهم لا يستخدمون فكراً يخولهم النظر للمستقبل والماضي، أو داخل وخارج المؤسسة. أجدهم "رهائن إرث" فهم ليسوا منفتحين أمام الأفكار الجديدة والعالم الخارجي. كما المسؤولين بـشركة كوداك، نجدهم عالقين عند المستوى 50 قدم من التفكير، بحيث لا يرون فرصاً أو تهديداً في التكنولوجيا التي غيرت ملامح السوق. وكما يعد من الأهمية في عالم الأعمال أن تكون فاعلاً عند المستوى التكتيكي – 50 قدم- كونه ينطوي على مكافآت عديدة، لكنه قد يتحول إلى مرحلة خطيرة.

المجموعة الثانية الكبيرة المصابة بداء المرتفعات هي التي احتجزت نفسها عند المستوى 50,000  قدم. فالعيش في الغيوم، مثل القياديين الذين يأتون برؤية جديدة بشكل أسبوعي، يؤثر على أدائهم سلباً ويجعله دون المستوى عندما يتعلق الأمر بالنتائج. وكما قال نيلسون مانديلا: "الرؤية من دون فعل أشبه بحلم صباحي. ولكن الرؤية مع العمل قد تغير العالم ".

المجموعة الثالثة، هي الأصغر المصابة بمرض الارتفاعات. وربما تشمل أكثر القادة إشكالية بين المجموعات الثلاث: لاسيما أولئك العالقون عند مستوى 5 قدم. فهؤلاء الأشخاص الأنانيين والنرجسيين إلى حد كبير يقضون جزءً كبيراً من وقتهم في التفكير بأنفسهم. وهذه النوعية التقليدية من المدراء المولعين بالتفاصيل، يقفون بطريق معظم الأشخاص. كما تشمل المجموعة القياديين ممن يعانون مشاكل سلوكية أو اضطرابات نفسية.

كيف نعالج اضطرابات مستويات القيادة
تظهر أبحاثنا في مجال تطوير القيادة فوائد حيوية لاستخدام المستويات الثلاث للقيادة. والوقت الذي يتطلبه كل مستوى لا ينطبق على باقي المستويات. فالقياديين اللذين يتمتعون بالوعي  ومرونة التفكير، ويتواصلون عبر المستويات الثلاثة المختلفة ينظر لهم على أنهم قياديين فعالون على درجة عالية.

نصيحتي هنا بسيطة. عليك التفكير بأسلوب قيادتك وتوجهاتك، ومن ثم التفكير والتواصل على المستويات المختلفة. فحتى في حال لم تكن المسؤول عن وضع رؤية مؤسستك، من الجيد قضاء بعض الوقت بشكل أسبوعي في التفكير والتعلم عن العالم الخارجي، وإمكانياته وتغييراته والاتجاهات السائدة فيه والفرص والتهديدات الناجمة عن ذلك، في الوقت الحالي وفي المستقبل (عند مستوى 50,000 قدم) . وبالمثل، خصص بعض الوقت للتطبيق الفعلي والتنفيذ  (50 قدما). وأخيراً، خصص وقتاً للتفكير في من أنت عليه، وما تفعله، وأسباب قيامك بذلك، وكيف بإمكانك تحدي نفسك لتصبح القيادي الأفضل الذي تستطيع أن تكون (5 قدم – المستوى الشخصي).

عزز تطورك خلال رحلة القيادة من خلال التدريب والتوجيه والحصول على تغذية راجعة. وأيضاً من خلال تخصيص بعض الوقت للتفكير والتعلم. اخلق بإدراك مجموعة من العقليات والسلوكيات التي تناسب المستويات الثلاثة للقيادة:ابتداءً من الصورة الكبيرة، إلى مرحلة التكتيك ومن ثم المستوى الشخصي. واحرص على ربط جميع المستويات دون الوقوع بداء المرتفعات.

لمتابعة الموضوع، بإمكانكم الإطلاع على المقالات اللاحقة بهذا الصدد:  "  القيادة رحلة وليست وجهة".
إيان سي وودوارد، أستاذ في الممارسات الإدارية بكلية إنسياد، متخصص في القيادة والتواصل. مدير برنامج "الإدارة المتطورة"، برنامج إنسياد للتعليم التنفيذي في فونتينبلو وسنغافورة.

تناقش كتب رام شاران فكرة مستويات القيادة، ومن مؤلفاته:  The Talent Masters  و  The Attacker’s Advantage.

تم التعبير عن المستويات بالأقدام بدلا من الأمتار، حيث أن المعيار العالمي الرئيسي لوصف الارتفاعات في الطيران يستخدم القدم كوحدة قياس.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية