Supported Browser
القيادة والمؤسسات

التعامل مع الاختلافات في بيئة عمل متعددة الثقافات

ايرين ماير ، أستاذ منتسب في السلوك التنظيمي |

هل من الحكمة أن نعبر عن اختلافنا بالآراء بشكل صريح؟ أم يجب أن نجد طرقاً أخرى للقيام بذلك ؟ يعتمد ذلك على الخلفية الثقافية لأعضاء الفريق.

حصلت لي شين على فرصتها بالعمل كمديرة تسويق في شركة لوريال عقب نيلها شهادة الماجستير بإدراة الأعمال من أوروبا، لتبدأ العمل في مكتب الشركة في شنغهاي. ساعد إتقانها للغة الإنجليزية وإلمامها بالفرنسية على إعطائها شعور بالثقة خلال عملها مع زملائها الأوروبيين، ولم تشعر  بوجود فجوة ثقافية بينها وبينهم إلى أن تمت دعوتها إلى باريس لحضور اجتماع للشركة تطرح فيه أفكارها حول الحملة التسويقية في الصين.

تقول لي"قمت بتحضير العرض من دون كلل، وقضيت فترة الرحلة  من شنغهاي إلى باريس أتدرب عليه لثلاثة عشرة ساعة، لأحرص أن يكون مقنعا". تضمن الاجتماع اثنا عشر شخصاً وكانت شين الوحيدة التي تنحدر من أصل غير أوروبي. تفاجأت شين خلال الاجتماع من الاعتراضات التي انهالت عليها من زملائها الفرنسيين، رغم أنها قد أعدت أفكارها مسبقاً وحرصت على التدقيق بجميع التفاصيل. حيث بدأ زملائها بالتساؤل عن السبب الذي دفعها إلى تغيير لون معين في الإعلانات المطبوعة. ولم يقف الأمر على ذلك بل اعترض آخرون على قرارات أخرى اتخذتها، وكان ذلك سببا لشعورها بالإذلال والهجوم عليها. وتعلق لي على ذلك بقولها:" كان من الواضح  أنهم لم يشعروا بأنهم أمام خبيرة في التسويق كما كنت ادعي".

همت شين بالخروج بمجرد انتهاء الاجتماع ، ولكن قبل أن تتمكن من الهرب كان هناك مفاجأة بانتظارها. حيث قام العديد من المشاركين الذي هاجموها خلال الاجتماع بتهنئتها على عرضها المتقن والمثير للاهتمام. وتعقب على ذلك بقولها: "أدركت في تلك اللحظة بأن الثقافة الصينية متأصلة بي أكثر مما كنت اعتقد".

صدام الثقافات

سبب شعور شين للوهلة الأولى بالصدمة هو مفهوم "ميانزي" أو "ماء الوجه". ففي المجتمعات الكونفوشيوسية مثل الصين وكوريا واليابان، تعطى الأهمية الكبرى للحفاظ على التناغم وحفظ ماء الوجه للأعضاء جميعاً. وتشير شين إلى ذلك قولها  "في الصين نعطي أولوية كبيرة للحفاظ على ماء الوجه، وذلك على حساب إعطاء رأينا بما نعتقد أنه صواب". فيحصل التناغم فقط عندما يلعب الجميع دوراً محدداً ويدعم أدوار الآخرين.

ولكن من جهة أخرى يتعلم الفرنسيين والألمان تقبل الاختلافات منذ الصغر، وتحكيم المنطق من خلال طرح فرضيات ونقيضها والجمع بينها، وتقديم وجهة نظرهم ومن ثم وجهة نظر الطرف الآخر قبل التوصل إلى استنتاج.

واجهت مشكلة مشابهة في 2002 خلال فترة عملي مع مجموعة من التنفيذيين الأمريكيين والألمان من شركة "دايملر كرايسلر ". عندها اختلف معي ديرك فيرنهابر على الفور، عقب تصريحي بأن الأميركيين أقل مباشرة بإعطاء رأيهم السلبي من الألمان بشكل عام،  وشرع بإعطائي العديد من الأمثلة خلاصة تجاربه الشخصية ليثبت العكس. وسرعان ما انضم إليه زميله الألماني ليدعم موقفه.

تسبب مثل هذا الموقف بالإحباط لـ بن كامبل، أحد المشاركين الأمريكيين، فجاءني متسائلاً: "بالرغم من أن الألمان اشتركوا بهذه الدورة إلاً أنه من الصعب فهم سبب اختلافهم معك باستمرار ؟" وتوجه بالسؤال إلى ديرك "أليست الخلفية الثقافية هي السبب؟" ولكن رد ديرك كان أنه سينظر في الأمر ويجيبه لاحقاً.

كان ديرك جاهزاً لإعطاء رأيه بعداستراحة الغذاء وجاء جوابه كالتالي: "نقول بالألمانية (زاخليكوت) وهي كلمة تعني بالإنجليزية "الموضوعية"، وذلك يعني أننا نتعامل مع رأي أو فكرة شخص ما بمعزل عن الشخص نفسه. فعندما أقول أنا اختلف مع ايرين، أقصد بذلك الاختلاف معها من حيث الموقف ولا يعني ذلك بالضرورة اعتراضي عليها شخصياً".

يوضح هذا المقال لماذا يقف الألمان وكذلك الفرنسيين والهولنديين والدانماركيين في نفس الكفة، بمواجهة الصينيين واليابانيين والإندونيسييين.لذا من الضروري أن تعطي الوقت الكاف لتوطيد علاقتك بزملائك أو عملائك اللذين ينحدرون من ثقافات مختلفة، لتخفيف حدة المواجهة معهم. ويعتبر ذلك من مقومات النجاح في بيئة عمل متعددة الثقافات.

الأسلوب الأمثل لطرح الاختلافات بوجهات النظر

نورد فيما يلي بعض الاستراتيجيات التي من شأنها أن تساعد على تخفيف حدة الخلاف عند قيادة فريق ينحدر أعضاءه من ثقافات مختلفة:

الاستراتيجية الأولى تنصح بتفويت إحدى الاجتماعات.  فقد يكون عمرك ومنصبك سبباً لأن يحجم الآخرين عن إبداء آرائهم المختلفة بشكل علني، بحسب الثقافات التي تتعامل معها. فعلى سبيل المثال: في اليابان يعتبر الاختلاف مع شخص متقدم بالعمر أو ذو منصب من المحرمات. لذا التحضير المسبق بإمكانه أن يعطي نظرائك اليابانيين الشعور بالراحة ومشاركة آرائهم من دون قيود، وإعطائهم المزيد من الوقت يعطيهم الفرصة لمناقشة الموضوع سوياً وتحضير الرد المناسب.

توصي الاستراتيجية الثانية بعدم شخصنة الخلافات، عن طريق التعامل مع الأفكار بمعزل عن الأشخاص اللذين طرحوها. وفي هذه الحالة قد يكون الحل الأمثل بعرض الأفكار من دون الإشارة لصاحبها، وذلك يعطي الفرصة لطرح الاختلاف دون المخاطرة بالتأثيرعلى العلاقات.

أما الاستراتيجية الثالثة فتقضي بعقد اجتماعات تمهيدية تسبق الاجتماع الرئيسي، وهو ما يعتبر أمر مهم في الثقافات الشرق آسيوية. فذلك يمنحك فرصة تعديل لغة الخطاب، وتجنب استخدام كلمات قوية عند التعبير عن أفكارك مثل "بالتأكيد" أو "تماما". فغالباً ما يميل الأشخاص في الثقافات التي تتجنب المواجهة، لاستخدام كلمات مثل "نوع ما" أو "بعض الشيء".

محامي الشيطان

وفي المقابل عليك الحذز من استخدام كلمات أقوى من تلك التي تستخدمها عادة  إذا كنت تعمل ضمن ثقافة أكثر حدة في أسلوب المواجهة ، ويتوجب منك الحذر من استخدام كلمات أقوى مما اعتدت عليه، فمن غير المحبذ أن تقول لعميلك الفرنسي "أنت مخطئ تماما". فالاختلافات موجودة في الثقافة الألمانية والفرنسية ولكن من السهل تخطيها. كما الثقافات الغربية ليست جميعها متشابهة. فالثقافة الأمريكية أكثر مواجهة بالمقارنة مع الصينية أو التايلاندية. ولكن بالمقارنة مع الفرنسيين يتجنب الأمريكيين المواجهة ويعولون أكثر على الانسجام والتوازن. وقد أرسى الأميركيين مبدأ المواطنة المبني على تعدد العرقيات،  وأساسه التعايش والتسامح. والعمل بمبدأ "نقوى عندما نكون مجتمعين، وسنخسر في حال انقسمنا" هو الأساس الذي تقوم عليه التفاعلات الاجتماعية في الولايات المتحدة.

تسبب زوجي ايريك الفرنسي الجنسية، والذي قضى سنوات عديدة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ببعض المواقف المحرجة عن غير قصد، خلال اجتماعاته مع أميركيين، بسبب أسلوبه المباشر في التعامل والمتشبع بالثقافة الفرنسية. لذا ابتكر حل لتخفيف حدة الخلاف:

يقول أيريك "قبل طرحي  لنقاط الاختلاف، أصبحت أوضح سابقا: اسمحوا لي أن ألعب دور محامي الشيطان حتى نتمكن من الوقوف على كلا الجانبين. ونال هذا الأسلوب استحسان الجميع طالما كنت أشرح مسبقاً ما أنوي القيام به والغاية منه". ففي بعض الأحيان، تلعب بضع كلمات تشرح فيها الأسباب التي تقف وراء سلوكك، دورا في الطريقة التي ينظر بها الآخرون إلى أفعالك.

ايرين ماير ، أستاذ منتسب في السلوك التنظيمي بكلية إنسياد. ومديرة برامج "إدارة فرق عمل افتراضية عالمية ، مهارات الإدارة في الأعمال الدولية" ضمن برامج إنسياد لتطوير التنفيذيين

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية