Supported Browser
القيادة والمؤسسات

القيادة رحلة لا وجهة

إيان سي وودوارد، أستاذ في ممارسات الإدارة، ومدير برنامج "الإدارة المتطورة" بكلية إنسياد |

تحتاج أطر العمل إلى مواهب ومهارات مختلفة، لذا ينبغي على القياديين امتلاك وعي عميق، وتعلم كيفية التأقلم على طول الخط

سواء كنت تشغل منصب قيادي في الوقت الحالي، أو ربما لاحقاً، وبغض النظر عن المجال الذي تعمل فيه، يبقى التفكير في أمور القيادة بشكل جدي أمراً حيوياً، كونه يؤثر على خياراتك وقراراتك وأداءك أيضاً.

قضيت خلال مسيرتي المهنية في التدريس والأبحاث معظم الوقت مع كبار التنفيذين، التقيتهم خلال دورات تدريبية مثل برنامج إنسياد "الإدارة المتطورة". ولطالما لجأت خلال نقاشاتنا حول أمور القيادة، إلى شرح مسارات القيادة بصورة مبسطة مستعيراً بمثال الغابة.

تختلف مسارات القيادة عن بعضها البعض قليلاً. وبالعودة إلى تشبيه الغابة قد تكون تلك المسارات مفروشة بالصخر أو الرمل أو العشب أو قد تكون ممهدة. وقد تتعدد الطرق المؤدية إليها أو تتقاطع أو تتشعب. كما يوجد مسارات سهلة وأخرى صعبة أو تؤدي لطريق مسدود في بعض الأحيان. يعطي مثال الغابة الذي استعرنا به، أهم الأفكار الأساسية حول القيادة: فالقيادة رحلة، وليست وجهة.

من غير الوارد أن نصل لمرحلة نخرج فيها بأفضل صورة لنا كشخص قيادي ناجح. ربما ينبغي أن نطمح لذلك، ولكن يجب أن تحفزنا هذه الرؤية كون رحلتنا مستمرة. وهي ليست رحلة منفردة. فنحن نتخذ قرارات حول المسارات التي سيتبعها فريق العمل، ومؤسستنا، وأنفسنا. وقد يكون هناك قرارات حول فرص جديدة كمسار مهني جديد، أو بلد جديد للعمل فيه، أو شركة أو قطاع جدد.

تضعنا القرارات التي نتخذها على مسار جديد في كل مرة. فأسلوب القيادة الذي نتبعه ومسيرتنا المهنية هي التي تتوقف فقط. وقد نواجه خلال رحلتنا بعض العوائق والتحديات الغير محسوبة، مثل تكنولوجيا جديدة أو نموذج عمل يغير القطاع بشكل جذري، وبالتالي يتغير المسار الذي نتبعه.

أبعادVUCA  (التقلب وعدم يقين، والتعقيد والغموض)

من الضروري في القرن الواحد والعشرون، الذي تنطوي فيه رحلة القيادة على العديد من التحديات، فهم مثل تلك الأفكار. وهي أبعد من أن نختصرها بمصطلح VUCA  الذي يعبر عن حالة "التقلب وعدم يقين، والتعقيد والغموض". ويجب أن نضيف عليه اختصار جديد "Ds" الذي يعكس البعد الأبعد لرحلة القيادة المتمثل بالابتكار والتنوع. تختصر رحلة القيادي اليوم بـ “D-VUCAD”. ففي المقدمة يأتي الابتكار الذي يغير القطاع بشكل كبير ( سواء كان سببه تكنولوجيا، أو تغيرات اجتماعية، أو إعادة هيكلة القطاع، وما شابه). ومن ثم VUCA  (التقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض). وفي النهاية التنوع (بما في ذلك الجنس، والثقافات، والأجيال).

ستشهد رحلة القيادة في عالم D-VUCAD تغيرات في المسارات تستدعينا لاستكشافها.

توصلت خلال بحثي حول تطوير المهارات القيادية إلى نتائج هامة، كون العديد من القادة لا يفكرون بعمق ووعي في المسارات الجديدة التي يتخذونها عندما يقومون بتغييرات قيادية أو مهنية. ويعيدون استخدام ذات المهارات والقدرات والأساليب القديمة، حتى عندما لا تتطابق مع معطيات الوضع الجديد.

لنأخذ على سبيل المثال جون ليتل (اسم مستعار)، مسؤول تنفيذي كبير عملت معه خلال أحد الدورات. كان جون قائدا استثنائيا في حالات الأزمات. ولطالما نجح في مناسبات عدة بقيادة فريق الأزمات في شركته، ونجح أسلوبه في القيادة على مواجهته مثل تلك الحالات. اتسم جون بكونه شخص واضح ودقيق ونشيط، ويوجه فريقه نحو تقديم حلول.

أهمية إطار العمل
تم في نهاية المطاف ترقية جون لقيادة قسم مسؤول عن العمليات في بلد آخر. وكان ذلك بمثابة فرصة كبيرة له للنمو والاستقرار. أدخلته هذه النقلة في  طريق مختلف كلياً، لكنه لم يدرك ذلك. أخبرني جون خلال حديثنا أنه كان يشعر بالرضا حيال نفسه في ذلك الوقت، فقد حصل للتو على ترقية كبيرة بناءً على إنجازاته. لكن مع عدم وجود أزمات في الأفق، بدأ باختلاق بعضها.

واصل جون اتباع أسلوبه المعتاد في القيادة والذي كان سبباً بنجاحاته السابقة. تلقى بعد مضي اثني عشر شهرا  آراء فريق العمل والتي وصفته بأنه شخص يتدخل بأصغر التفاصيل، ودكتاتور سلطوي لا يستمع لأحد أو يطلب مشهورته أوحتى يلهمه. فأسلوبه القديم لم يتناسب مع وضعه الجديد.

تقبل جون آراء الآخرين وغير أسلوبه. وامتلك لأول مرة فهماً عميقاً عن القيادة الفاعلة مفاده: إطار العمل له أهمية خاصة خلال رحلة القيادة. أصبح جون عندها أكثر إدراكاً بنفسه وبالآخرين وبإطار العمل والغرض من القيادة.

فالقادة الذين يملكون إدراكاً ورؤية ثاقبة يعون نقاط قوتهم وموهبتهم، وكذلك نقاط ضعفهم في إطار معين. ويدركون أيضاً الأمور التي من شأنها أن تحفزهم أو تعوق مسيرتهم. ويضعون بناءً عليه أهدافاً وأوليات تضمن لهم العمل وفق البرنامج الذي وضعوه بأنفسهم. وبالتالي يعيدون تقييم أدائهم في ضوء الأوضاع الراهنة وما ستؤول عليه مستقبلاً. من ثم يظهرون التزاماً للقيام بتغييرات محورية  في ضوء الدعم الذي يتلقونه، وبحسب أراء الآخرين وإطار العمل. وقد يواجهون أسئلة صعبة مثل :"هل أنا الشخص المناسب لقيادة هذا المسار؟" و "ماذا ولماذا تصرفت على هذا النحو عند اختياري لهذا المسار؟".

الأركان الستة لقيادة فاعلة ذات رؤية ثاقبة:
يفهم القادة ممن يتمتعون بالبصيرة أن الأركان الستة التالية تساعدهم خلال رحلة القيادة:

• الإدراك – اكتساب وعي عميق بالذات وبالآخرين وبإطار العمل والهدف الذي يسعون إليه، على اعتبار أن القيادة تقترن بشكل أساسي بالالتزام بتطوير خطة وبرنامج عمل.

• الطموح -  وضع رؤية طويلة الأمد تضمن أعلى معايير الأداء كقيادي. والحرص على ربطها بإطار عمل على المدى القصير وبرنامج تطوير مهارات القيادة، وأسلوب الإدارة والحصول على آراء الأخرين.

• الموثوقية -  تطوير وتحدي الذات من خلال اتباع القياديين لنهج واضح للقيادة الذاتية، وفهم سماتهم الشخصية. ونمذجة دورهم والتواصل مع الآخرين وإشراكهم.

• الفطنة - بناء القدرات الشخصية وقدرات فريق العمل لتقييم مسار القيادة، وآلية العمل. والاستفادة من تنوع فريق العمل والمواهب.

• النهج المعتمد - اعتماد نهج واعي للقيادة يعمل على الجمع بين القدرات الشخصية وقدرات فريق العمل مع احتياجات الوضع الراهن أو إطار العمل.

• ارتفاعات القيادة (المستويات) – للقيادة ثلاثة مستويات: 50.000 قدم (الرؤية والاستراتيجية والأمور التنظيمية). 50 قدما (وتشمل التنفيذ والأمور التشغيلية، والتفاعل مع فرق العمل وأصحاب المصلحة)، و 5 قدم (الإدراك الذاتي، وبناء علاقات شخصية وثيقة مع الآخرين). بالتالي خطط وتصرف وتواصل مع الآخرين بسلاسة مع الحرص على أن لا تبقى في مستوى واحد *.

اعتماد الأركان الستة للقيادة يمكن القادة المتبصرين من استغلال قدرات معينة تحتاجها فرق العمل، ومؤسساتهم، وإطار العمل، وأنفسهم، في عالم يطغى عليه ما أطلقنا عليه مصطلح D-VUCAD.

تشمل هذه القدرات أيضاً مزيج من: القدرة التنافسية (على سبيل المثال، وضع الهدف والمهارات المطلوبة)، والإبداع (مثل الابتكار وحب الاستطلاع)، والمشاركة (كالعمل الجماعي)، والقدرة على التحكم (مثل التخطيط والحد من المخاطر)، والمعرفة (استخدام عدة أنواع من أسلوب التفكير، ووجهات نظر متعددة)، ومهارات التواصل الفعال (مع الذات والمجموعة والمجتمع).

التركيز على القدرات لا يكون بشكل عشوائي. يركز القادة الذين يملكون البصيرة على القدرات المطلوبة لتحقيق نتائج استراتيجية أو تشغيلية معينة في الوقت الحالي أو مستقبلاً. بذلك يستطيعون تحقيق النجاح في الطريق الذي اختاروه. على سبيل المثال: قد يركز القيادي المسؤول عن العمليات التشغيلية الهامة على القدرة على التحكم مثل التنفيذ وإدارة المخاطر. من جهة أخرى، يركز القيادي المسؤول عن تطوير منتجات أو خدمات مبتكرة على الأمور المتعلقة بالإبداع مثل العصف الذهن.

يوجد داخل عقلنا اللاواعي العديد من الأمور التي قد تحفزنا أو تعيق تقدمنا. ويبقى المفتاح الأساسي هنا، هو التفكير بأمور القيادة بشكل واعي وضمن إطار العمل الموجودة فيه. فالقيادة رحلة شخصية، مليئة بالفرص التي نقتنصها والتحديات التي قد نواجهها. كل ما علينا هو معرفة التفضيلات، والأمور التي تحفزنا ومواهبنا ومهاراتنا، ومن ثم إيجاد المسارات التي تناسبها وتعديلها إذا ما تطلب الأمر. ولنتحدى أنفسنا ونصبح القيادي الذي نسعى لأن نكون عليه خلال الرحلة التي تتشاركها مع الآخرين لا بد من أن نمتلك إدراكاً واعياً ورؤية ثاقبة.

إيان سي  وودوارد، أستاذ في ممارسات الإدارة بكلية إنسياد، متخصص في القيادة والتواصل. فضلاً عن كونه مدير برنامج إنسياد للتعليم للتنفيذي "الإدارة المتطورة"  في كل من فونتينبلو وسنغافورة.

بإمكانكم الاطلاع على كلمة البروفسور وودوارد حول مستويات ورحلة القيادة خلال مؤتمر تيد-إكس" TEDxYouth@AIS" المنعقد بسنغافورة في 9 سبتمبر 2017 في المدرسة الاسترالية الدولية عن طريق  هنا والتي تحدث فيها عن مستويات ورحلة القيادة.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟