Supported Browser
القيادة والمؤسسات

الضغوطات قد تجعلنا أكثر إبداعاً

بنجامين كيسلر ، مدير التحرير في إنسياد للمعرفة |

قد تكون التغيرات الطفيفة التي تطرأ على الوضع الراهن - على خلفية السلامة النفسية - أفضل صيغة للثقافات إبداعية.

منذ حوالي 20 أو 30 عاماً ، بدأنا نشهد تغييراً كبيراً في البحوث الأكاديمية التي تتناول الابتكار. ففي السابق كان المجال محصوراً على علماء النفس ، إلى أن بدأ الموضوع يجذب اهتمام شريحة مختلفة من العلماء: علماء النفس الاجتماعي. نتيجة ذلك، بدأ تركيز الدراسة يبتعد تدريجياً عن اكتشاف الأسباب التي أدت لوجود عباقرة مثل بيكاسو ، نحو عوامل تتعلق بالبيئة الاجتماعية يمكن أن تشجع أي أحد على أن يصبح أكثر ابتكاراً.

أشارت لي هوانغ ، أستاذ مساعد في السلوك المؤسسي بكلية إنسياد ، أنه حتى أكثر العقول ابداعاً وابتكاراً قد تزدهر أو تنضب استجابة للمؤشرات البيئية والثقافية. حيث قالت في مقابلة أجريت مؤخراً مع برنامج إنسياد المعرفي "كان هناك وقت يذهب فيه آلبرت آينشتان إلى مدرسة تتبع أسلوباً صارماً في تقييم الطلاب، وكاد أن يفقد اهتمامه بمادة العلوم. كان ذلك عندما فشل بأحد الاختبارات وانتقل إلى مدرسة أخرى تقدر الفكر الإبداعي للطالب، مما ساعد على تنمية اهتمامه أكثر".

وجود بيئة داعمة أمر ضروري لاسيما للمهنيين، كون اتخاذ موقف مغاير لفكرة غير ممكنة قد يترتب عليه مخاطر ملموسة. تقول هوانغ :"كجنس بشري لسنا أكثر المخلوقات التي تشعر بالراحة حيال الأشياء الغريبة أو الجديدة. ولكن يعني ذلك أيضاً أنه عندما يدافع أحد الأشخاص في المجموعة أو المؤسسة عن حل تجريبي غير معروف سابقاً، سيكون رد فعلنا الأولي في معظم الأوقات بأن نتساءل ، لماذا؟ من مبدأ إن لم يكن مكسوراً لماذا علي إصلاحه؟. يساعد مناخ الأمان النفسي - حيث يشعر الأشخاص بشكل عام بالتهديد بشكل أقل وتكون ردات فعلهم أخف حدة - على كبح هذا التحيز.

إلى جانب البيئة الآمنة ، ترى العديد  من أبحاث هوانغ أن الأشخاص المحيطين بنا الذين لا يشبهوا أينشتاين، يحتاجون قليلاً إلى تحفيزهم قبل أن يصلوا إلى أعلى مستوى من الإبداع. ووجدت أن الإبداع يزدهر من خلال جرعات صغيرة من الخروج من منطقة راحتنا. لذا لا تحتاج الشركة لأن تكون جنة سلام للخروج بالأفكار المبدعة إلى النور – تستطيع إخراجها عمداً من خلال إحداث اضطرابات طفيفة على خلفية السلامة النفسية.

السخرية والتهكم
على سبيل المثال ، تناولت ورقة عمل  في 2015 كتبتها هوانغ بمشاركة فرانشيسكا جينو من جامعة هارفارد وآدم دي غالنسكي من جامعة كولومبيا، وجود تأثير إيجابي  للتهكم على الإبداع. كان أداء المشاركين في الدراسة الذين تلفظوا أو تعرضوا لملاحظات ساخرة ، أفضل في اختبارات الإبداع من أولئك الذين تعرضوا إما لتصريحات صادقة أو الآخرين في مجموعة التحكم.

بحسب هوانغ: "عندما نقول ألفاظ ساخرة أو نكون الطرف الذي تعرض لها، نقفز إلى الجمباز العقلي لإدراك البعد النفسي بين ما قيل وما المقصود به". وتضيف: "أصبح تفكيرنا أكثر عقلانية ، وأصبحنا نعاني بشكل أقل من الثبات الوظيفي مما يساعدنا على أن نكون أكثر إبداعاً".

لن تخسر الشركات شيئاً إن قامت بالتركيز على رفع مستوى الثقة بين الموظفين قبل تخفيف القيود الاجتماعية حول السخرية . بالإضافة إلى تعزيز الإبداع، قد يؤدي التهكم إلى مشاعر متضاربة – وهو تأثير جانبي غير مرغوب ناجم عن التهجم الماكر المتضمن في السخرية . بمعنى آخر، هناك أسباب جيدة تجعلنا نميل لأن نتعامل ببساطة مع السخرية لا سيما في العمل. قد تظهر السخرية على أنها تصرف فظ ووقاحة وعدائية – وهي ليست الطريقة الأمثل للتقرب إلى زملائنا في العمل. وللبحث في هذه التكاليف العلائقية، وجدت هوانج في دراسات لاحقة أن تلك المشاعر السلبية تمت تنحيتها جانباً عندما طلب المشاركين تخيل أنهم كانوا يتحدثون لشخص يثقون به أكثر. لم يكن هناك تكاليف علائقية للسخرية عندما كانت العلاقات قوية بما فيه الكفاية لتحمل السخرية، وبقيت مزايا الإبداع.

الفضول الموجه
سعت هوانغ والمؤلفين المشاركين في ورقة عمل نشرت في 2019، إلى تحديد التأثير السببي للفضول على الإبداع. وهما صفتين يتم ربطهما عادة ولكن من دون أن نفهم جيداً الروابط بينهما.

كانت فرضية الباحثين المثيرة للدهشة، أن الفضول يتنبأ بالإبداع عندما يتم توظيفه ضمن معايير معينة، لحل مشكلة معينة أو لغز، أو كما يطلق عليه الباحثين "فضول موجه". يركز علماء الإبداع عادة على الفضول الذي ينتقل بحرية من موضوع لآخر، ويتعقب مسارات جديدة. الفضول الموجه أكثر إزعاجا، ويشبه الحكة لحل نقطة بعينها من تحدي أو حالة عدم يقين.

بالإمكان تسخير هذا الشكل من الفضول لأغراض إبداعية من خلال تقنية تعرف بربط الأفكار. كما وصفتها هوانج : "عندما يكون الأشخاص على درجة عالية من الفضول الموجه، لا يقوموا فقط بإعطاء أفكار تتبادر إلى أذهانهم بعشوائية. عوضاً عن ذلك، يمتلكون فكرة أولية وستكون فكرتهم التالية مبنية على تلك الفكرة الأولية دون التخلي عنها".

بإمكان القادة النظر باستخدام أسلوب ربط الأفكار عوضاً عن العصف الذهني. بالرغم من الآثار التي قد تترتب عنه من الناحية العقلية، إلا أنه قد يكون سبباً للإبداع بشكل أكبر. في أحد الدراسات البحثية على سبيل المثال، طلب من المشاركين ابتكار خدعة سحرية تتجاوز خدعة هاري هوديني في "اختفاء الفيل". اثنين من السحرة الماهرين ومن ثم اختيار المفضل لديهم من ضمن المقترحين. أولئك الذين تم توجيه فضولهم حول خدعة هاري الأصلية استخدموا أسلوب ربط الأفكار بشكل أكبر، واعتبروه أكثر إبداعاً.

عدم الانسجام بين العقل والجسم (MBD)
تتناول آخر أبحاث هوانج حالة عدم الانسجام بين العقل والجسم (MBD) ، أو ماذا يحدث عندما يوجد تعارض بين حالتنا الذهنية وتعابيرنا الجسدية. خلال عدة أبحاث على أكثر من 1000 مشارك،  استنتجت هوانج علاقة عدم الانسجام بين العقل والجسم من خلال جعل المشاركين يتصورون عدة حالات (القوة أو الضعف ، السعادة أو الحزن..الخ)، من ثم طلبت منهم تبني تعابير جسدية تتوافق أو تتعارض مع تلك الحالات. جعلتهم بعدها يحلون ألغاز عقلية مختلفة ومعضلات تتعلق بالبصيرة. سجل أولئك الين اختبروا حالة عدم الانسجام بين العقل والجسم نتيجة أعلى بعدة مجالات تتعلق بالإبداع، بما في ذلك البصيرة والترابط والإنتاج الإبداعي.

لماذا ا؟ افترضت هوانغ - وأكدت التجارب فرضيتها – أن حالة عدم الانسجام بين العقل والجسد تولد "عقلية غير نمطية" ، تخدع بدورها أدمغتنا للاعتقاد بأننا في وضع استثنائي وغير عادي يتطلب منا استجابات وحلول جديدة.

ومع ذلك ، هناك سلبيات أيضاً لحالة عدم الانسجام بين العقل والجسد. تشير هوانج في ورقة عمل تتناول السلوك المؤسسي وعمليات اتخاذ القرار (شاركها كتابتها جينيفر ويستون من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس) إلى أن عدم الانسجام بين العقل والجسد من شأنه أن يزيد التفكير التآمري وتقويض الثقة، كنوع من التعويض عن مشاعر العجز التي تتسبب بها حالة عدم المصداقية المفروضة.

توضح هوانج: "كنا مدفوعين بمحاولة تجديد الشعور بالسيطرة. يحاول عقلنا إقامة أنماط والتنبؤ عندما نفتقد الشعور بالسيطرة". وأكدت أن عدم الانسجام بين العقل والجسد المدفوع بجنون العظمة هو الجانب المظلم من الإبداع، والذي يعتمد على مثل تلك القدرة على رسم روابط غير متوقعة بين المفاهيم. سواء كان التفاعل المتسلسل ناجم عن علاقة عدم الانسجام بين العقل والجسد (أو أي نوع من الانزعاج المتعمد) يسير بشكل صحيح أو خاطئ، يمكن أن نعتمد بالعموم على الكيفية التي يشعر بها الشخص بالأمان.

الإبداع تحت الضغط
بالنسبة لهوانغ ، تعكس الدراسات الثلاثة فكرة أن الخروج من منطقة راحتك هي طريقة جيدة لإطلاق الذات الإبداعية ، بشرط أن يكون السياق متسامحًا بما فيه الكفاية. على سبيل المثال ، قد تكون رقصة للمبتدئين أو حصة تطوير هي المساحة الآمنة لتجربة شخصيات ومواقف غير مألوفة تعزز التفكير الغير النمطي.

تستخدم هوانغ مراحل تطور النبات لتفسير الكيفية التي يؤثر فيها الجهد بشكل إيجابي. " فعندما تتعرض النباتات لقدر معين من الإجهاد ، يكون ذلك عندما تدخل في مرحلة نمو مختلفة – مثل الانتقال من مرحلة عدم الإزهار إلى الإزهار ، أو من الإزهار إلى الإثمار. ينطبق الشيء ذاته على البشر ".

لي هوانغ، أستاذ مساعد في السلوك المؤسسي بكلية إنسياد.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية