Supported Browser
القيادة والمؤسسات

أهمية التسامح في بيئة العمل

مانفريد كيتس دي فريس هو أستاذ متميز لمادة تنمية القيادة والتغيير التنظيمي في إنسياد أجرى الحوار : جين وليامز، برنامج إنسياد للمعرفة |

عاة ما تترجم ردة فعل من يتولون مناصب قيادية في حال شعورهم بالظلم عبر الغضب أو الرغبة في الانتقام، لكن هنا تجب الإشارة إلى ان إحدى مقومات القائد المثالي التي تميزه عن نظريه التقليدي تكمن في القدرة على المسامحة والابتعاد عن الغضب، وتجنب إلقاء اللوم على الآخرين

وتحويل الموقف بأكمله إلى حالة بناءة.

يشير مانفرد كيتس دو فري استاذ تطوير القيادة والتغيير المؤسسي في إنسياد إلى أن القائد المثالي يدرك تماماً تكلفة وجود مشاعر عداء ضمن فريق العمل والمخاطر التي يفرضها ظهور أحقاد وغضينة حيث تؤدي إلى عرقلة عمل أفراد الفريق.

ثقافة الخوف

هناك العديد من المؤسسات اليوم تشبه المعتقلات، حيث تنتشر لدى موظفيها مشاعر القلق والريبة، لكن من لا يخطئ لا يعمل، حيث ينهمك الموظف في عمله وينشغل عن تغطية أخطائه. وعادة ما تعاني المؤسسات التي يشعر موظفوها بخطر الطرد في حال ارتكاب الأخطاء من ثقافة الخوف التي تعيق الانتاجية، أما القادة الذي يتسامحون مع الأخطاء المرتكبة من قبل فريق العمل والذين يرون في الأخطاء فرصاً للتعلم، هم من ينجحون في تطوير ثقافة مؤسسية مثالية، حيث يعطي التسامح الأفراد فرصة لخوض غمار المخاطرة وأن يبتكروا في عملهم، ويسمح لهم بتعلم تنمية قدراتهم القيادية، فالضغينة والأحقاد ليست من شيم القائد المثالي.

يوضح دو فري أن التسامح يساعد في بناء الولاء الوظيفي، فالعاملين في مؤسسات تسودها ثقافة التسامح عادة ما يبذلون جهوداً إضافية لتحسين الأداء مما ينعكس إيجابياً على عوائد الشركة.

قنوات التواصل

يعمل مديروا الشركات اليوم في عالم مليئ بالصراعات، وفي حال عدم حل الإشكالات بين فريق العمل، ستكون هناك أثاراً خطيرة على الشركة وعلى سير عملها، لكن من خلال فتح قنوات للتواصل بين الإدارة والموظفين وتشجيع ثقافة التسامح، يستطيع المدير بناء شركة تتطلع إلى المستقبل.
 

أمثلة تاريخية

وضمن الورق البحثية الصادرة بعنوان "ثقافة التسامح : تميز القائد المثالي"، يحدد دو فري أمثلة واضحة عن القادة المثاليين من خلال المقارنة بين شخصيتين من عالم السياسة في افريقيا، حيث يشير إلى ان زمبابوي في معظمها أرض قاحلة، بينما تقدم جنوب افريقيا صورة مغايرة تماماً، وهنا الفرق بين شخصيتين قياديتين كل منها ينتهج سياسة متباينة فيما يتعلق بالتسامح، ويضيف دو فري:"عندما أسأل الطلاب عن القائد السياسي الذي يحوز على إعجابهم تأتي 95 % من الإجابات : نيلسون مانديلا، والسبب يعود إلى التسامح".

إثر انتهاء حقبة الفصل العنصري في جنوب افريقيا وبعد قضاء 27 عاماً في السجن، سامح مانديلا من اضطهدوه وشجع أعضاء حزبه الآخرين على نبذ حب الانتقام وتبني التسامح، وكانت مقولته الشهيرة :"التسامح يحرر الروح ويقضي على الخوف، لذا فهو السلاح الاقوى". وفي المقابل، تبنى روبرت موغابي في زمبابوي سياسة الانتقام والثأر من المواطنين البيض إضافة إلى معارضيه من جميع الأعراق، ومن خلال توجيه أتباعه باحتلال مزارع البيض بالقوة، تحولت البلاد التي كانت في السابق سلة غذاء الجزء الجنوبي من افريقيا إلى بلد قاحل، وارتفعت البطالة خلال فترة حكمه بين 70 – 80 %، ووصل التضخم في زمبابوي في نوفمبر 2008 إلى معدلات فلكية مما أفقد العملة الوطنية قيمتها، وأدت الحملة التي نفذها أتباع موغابي على معارضيه في الأحياء الفقير إلى تشريد 200 ألف شخص.

تكاليف التوتر

قد يبدو التسامح مستحيلاً لكن في المقابل قد يكون ثمن الأحقاد والتور قد يكون باهظاً جداً. وهنا يقول دو فري :"قد يعتقد البعض أن الكره أسهل من المسامحة، لكن مشاعر الحقد قد تسيطر على مشاعر الإنسان بأكملها، وتحول الحياة بأكملها إلى سلسلة من الانتقام والكره".

لقد اظهرت العديد من الدراسات أن الكره يولد اضرابات وضغوطاً نفسية تترك أثاراً سلبية على نظام المناعة عند الإنسان وقد تؤدي إلى الاكتئاب والقلق وظواهر عصبية اخرى. وعادة ما تتعرض العلاقات المجتمعية، سواء ضمن العائلة أو مع الاصدقاء أو مع فريق العمل، للعديد من الإشكاليات والحساسيات الشخصية، وهو ما يحصل كثيراً ضمن محيط العمل في وقتنا الحالي الذي يعتمد على شبكة العلاقات الشخصية التي يبنيها الموظف الناجح.
يشير دو فري إلى أن القادة المثاليون عليهم ان يكتسبوا بعض الصفات لتحسين قدرتهم على التسامح  ويضيف :"على القائد أن يتعاطف مع الآخرين وأن يضع نفسه في مكانهم لتقييم الأفعال وردود الأفعال وتحديد مسببات ودوافع أي موقف قد يتخذه الشخص الآخر، كما يجب أن يتميز القائد بالقدر على التحكم العاطفي".

ويلفت إلى ضروة إدراك مشاعر الحنق ساعة الغضب وتذكر آخر موقف للغضب وما كانت نتائجه السلبية، وهنا على المرء أن يفكر بتداعيات الموقف ومحاولة الاستراخاء والابتعاد عن الغضب ويتابع دو فري قائلاً :"القدرة على التسامح تتطلباً قدراً كبيراً من النضوج، وعلى من يغضب أن يتذكر نيلسون منديلا وسنوات سجنه الـ27، فمن المؤكد أنه غضب كثيراً لكنه تعلم السيطرة على مشاعره مع مرور الوقت"، وينصح من يجد صعوبة في التسامح أن يتذكر أن الحياة عبارة عن سلسلة من تجارب التعلم وان جميع المواقف التي نمر بها تجعلنا أكثر حكمة ونضوجاً وخبرة.

ويوضح دو فري أن التسامح لا يعني النسيان، فالتسامح الواقعي يعني علاجاً للذاكرة مما حصل وليس إلغاء الذاكرة، ويضيف:" التسامح يعني أنك لم تعد سجيناً للماضي، فالقائد المثالي على غرار مانديلا وغاندي ادركوا ذلك تماماً، فأن نسامح لا يعني أننا نغير الماضي، لكن يمكن لنا ان نغير المستقبل".

مانفريد كيتس دي فريس هو أستاذ متميز لمادة تنمية القيادة والتغيير التنظيمي في إنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟