Supported Browser
القيادة والمؤسسات

التصدي لوباء الوحدة

مانفريد كيتس دي فريس، أستاذ متميز في تطوير مهارات القيادة والتغيير التنظيمي بكلية إنسياد. |

ما هي الإجراءات التي تسطتيع الشركات والأفراد اتخاذها عندما يصبح الشعور بالوحدة أمراً يبعث بالقلق.

"نحن جميعاً نعيش مع بعضنا البعض ولكننا جميعاً نموت من الوحدة"، ألبرت شويتزر.

يعد الشعور بالوحدة من أكثر التحديات التي يصعب تفاديها خلال حياتنا. فقد ولدنا وحيدين وسنموت وحيدين. وقد اختبر الكثير منا الشعور بالوحدة بغض النظر عن عدد الأشخاص المحيطين به ومدى قربهم.

في ظل التغيرات التي يشهدها مجتمعنا الحالي، أصبح إقامة علاقة وطيدة من الأمور الصعبة . فالوقت الذي نعمل فيه من المنزل يزداد، وقلة منا أعضاء في جمعيات مهنية. كما تزداد البطالة حول العالم، والأسوء من ذلك أن المؤسسات التي يسود فيها حالة من عدم الثقة أصبحت هي القاعدة.

على الصعيد الشخصي، أصبح العديد من الأشخاص يعيشون بمفردهم أكثر من أي وقت سبق، سواء كان ذلك بإرادتهم لاختيارهم التأخر بالارتباط والزواج، أو بسبب الطلاق أو لتخليهم عن فكرة إقامة علاقة راسخة. حتى الأشخاص المرتبطين بعلاقة ما غالباً ما يعانون بسبب غياب الحميمية في العلاقة. لا شيء أكثر وحدة من وجود شخص مع شريك بعيد عنه على الصعيد العاطفي.

علاوة على ذلك، لم تعد المجتمعات كما كانت عليه في السابق. ففي المدن الكبرى أصبح من السهل تجاهل الآخرين المحيطين بنا. فكوننا نطلب الطعام والبضائع عن طريق الانترنت لم نعد بحاجة للتحدث إلى المحاسب. وقد شهدت السنوات الأخيرة توجها متزايداً نحو نهج الخدمة الذاتية.

بالإضافة لذلك انخض معدل الترابط بين الأجيال، ومفهوم الأسرة في طريقه إلى الزوال كما هو الحال في المؤسسات المجتمعية مثل الكنائس ونوادي المجتمع المحلي. يقول البعض أننا قد دخلنا عصر ديستوبيا (المدن الفاسدة)، بحيث نعيش في عالم تهيمن عليه التكنولوجيا، مما يسهم بالشعور بالعزلة والانفصال.

نقوم في معظم الأوقات بتحويل هواتفنا الذكية وأجهزتنا اللوحية والكمبيوترات إلى منظومة دفاعية مزيفة لتساعدنا على التعامل مع شعورنا بالوحدة. أصبحت هذه الأجهزة بمثابة العصا التي نرتكز عليها خاصة عند شعور بالقلق. النظر لهواتفنا بشكل مستمر ومتابعة التفاعل على منشوراتنا على وسائل التواصل الاجتماعي، يعكس حاجتنا للآخرين.

التكاليف الباهظة للشعور بالوحدة
تعتبر الحاجة إلى التواصل مع الآخرين بشكل فاعل وليس من خلف الشاشات، حاجة إنسانية أساسية. وهو أمر حيوي لبقائنا ورفاهيتنا. من المؤسف أنه من الصعب إيجاد مثل هذا الرابط. على سبيل المثال: في الولايات المتحدة هناك 25% إلى 45% من البالغين يشعرون بالوحدة بشكل متواصل.  وبالرغم من أن الأشخاص من مختلف الأعمار قد يكونوا معزولين اجتماعياً، فإن خطر فقدان التواصل مع الأصدقاء والعائلة وأفراد المجمع المحلي يصبح أكبر مع التقدم بالعمر. وبحسب التقديرات، تؤدي العزلة الاجتماعية عند الأمريكيين بعمر 65 سنة وما فوق إلى تكاليف أكبر في الرعاية الصحية بمعدل 7 مليار دولار سنوياً، وهو رقم في ازدياد.

في الواقع تؤثر الوحدة على صحتنا بشكل سلبي. ويترتب عنها في كل مرحلة من مراحل الحياة، الاكتئاب والأرق وزيادة خطر الإصابة بالخرف. بالإضافة لذلك، فإن الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة يتخلفون عن مواعيد الطبيب وأخذ أدويتهم أو ممارسة التمارين واتباع نظام غذائي صحي. والأكثر إثارة للقلق كون العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة يزيدان من احتمال الوفاة المبركرة بنسبة 26%.

يزداد الشعور بالوحدة خلال مراحل مصيرية مثل خسارة أحد أحبائنا أو الطلاق أو الانتقال إلى مكان جديد. مع ذلك تكون الوحدة مزمنة عندما لا يمتلك الأشخاص موارد عاطفية أو عقلية أو مادية لإرضاء حاجاتهم الاجتماعية أو عندما يفتقرون لمجموعة تمنحهم تلك المزايا. بتلك الحالات هناك العديد من الأثار السلبية للوحدة على الصحة وتكون أكثر وضوحاً.

التعامل مع الوحدة
عندما تصبح الوحدة مصدر قلق كبير، يحين الوقت للقيام بما هو مناسب. تكمن أول خطوة بإدراك المشكلة، فالعديد من الأشخاص يرون الوحدة على أنها أمر معيب ويتجنبون التفكير بها، ناهيك عن قيامهم بشيء حيال ذلك.

إذن ما الذي يمكننا فعله حيال الوحدة؟ بالرغم من عدم وجود حل واحد يناسب الجميع، سنورد بعض التوصيات مستندين إلى سبب المشكلة:

تطوير مهارات التواصل
لا تكون الوحدة بالضرورة بسبب عدم وجود أشخاص كثيرين من حولنا. ففي بعض الأحيان تنشأ بسبب عدم قدرتنا على التواصل مع الآخرين حول الأمور التي تهمنا. تستطيع الشركات تعزيز مهارات التواصل من خلال اتباع منهج تدريبي مناسب.

المشاركة بالمناسبات الاجتماعية
توفر العديد من المواقع والمؤسسات مثل Meetup.com و InterNations أو النوادي المحلية أنشطة مصممة خصيصاً لتطوير المهارات الاجتماعية وزيادة فرص التفاعل الاجتماعي. على صعيد العمل، تستطيع الشركات توفير تمويل أو حوافز للموظفين لتأسيس لجان مجتمعية أو الانضمام لشبكات تواصل.

التواصل من خلال القيام بأنشطة إنسانية
القيام ببعض الأعمال التي تنم عن اللطف أو المشاركة في أنشطة إنسانية مثل التطوع، يساعد على خلق نوع من الانتماء. بإمكان الشركات منح موظفيها إجازات مدفوعة للتطوع كجزء من برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات.

تجربة نمط الحياة المشترك
هناك طريقة فعالة للتخفيف من حدة الشعور بالوحدة، تتمثل بإنشاء مجتمعات بحيث يتشارك فيها الأشخاص الأماكن المخصصة للأكل والغسيل والترفيه. تساعد مثل تلك الأماكن على تأسيس نوادي وتنظيم رعاية الأطفال والمسنين والاحتفال بالمناسبات. وبالمثل تستطيع الشركات تعزيز فكرة مشاركة وسائل النقل.

إيجاد هدف
إيجاد مغزى للحياة قد يكون بمثابة الترياق للشعور بالوحدة. ففي العمل، إذا ما شعر الموظفين بأنهم منخرطين في تنفيذ مهمة الشركة، سيشعرون بارتباطهم بزملائهم. تناولت في مقال سابق خصائص المؤسسات التي تعزز الثقة والرفاهية.

العلاج النفسي
يساعد الأخصائي النفسي الأشخاص على إدراك والتعامل مع الأفكار السلبية حول الطريقة التي ينظرون بها لأنفسهم ونظرة الآخرين لهم. كما بإمكانه الغوص في مرحلة الطفولة لاكتشاف سبب الشعور بالوحدة. يجب أن تكون الاستشارة النفسية ضمن المزايا التي يحصل عليها الموظفين.

احصل على حيوان أليف
في حال فشلت جميع المقترحات أعلاه، قد يكون الحل بتبني أحد الحيوانات الأليفة.

قيمة العزلة
مع إدراكنا لأن الشعور بالوحدة قد يترتب عنه خطراً على الصحة، لا يجب أن نقلل من شأن العزلة. فإذا ما وجدنا طرقاً نستمتع بها، سيقل شعورنا بالوحدة. كما أشار العديد من الفلاسفة وعلماء النفس، فإن التطور على الصعيد الشخصي غالباً ما يكون سببه قضاء الوقت وحدنا.

بعيداً عن الوحدة، تعد العزلة ضرورة للنجاح. كما قالت الشاعرة مي سارتون ، "الوحدة هي فقر النفس، أما العزلة فهي ثراءها".

مانفريد كيتس دي فريس أستاذ متميز في تطوير مهارات القيادة والتغيير التنظيمي، وأستاذ كرسي من " راؤول دي فيتري دو فيتري دافوكورت" في تطوير القيادة في كلية انسياد لإدارة الأعمال . ومؤسس" مركز انسياد العالمي للقيادة " ومدير برنامج "تحديات القيادة" أحد أهم برامج انسياد لتطوير التنفيذيين.
 

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية