Supported Browser
القيادة والمؤسسات

تطور مفهوم "القيادة" في العصر الرقمي

مانفريد كيت دي فريس، أستاذ أكاديمي في تطوير مهارات القيادة والتغيير المؤسساتي بكلية إنسياد |

يعتبر تغيير الطباع الشخصية للتنفيذيين بالمهمة الشاقة، ولكن بإمكانهم تعلم كيفية تحسين ردود أفعالهم في المواقف الصعبة وتطوير مهارة الذكاء العاطفي، الأمر الذي سوف يعود عليهم بالفائدة كقياديين.

تشير الدراسات إلى أن الشركات التي تأخذ مسألة تنمية المهارات القيادية على محمل الجد تنجح بالتفوق على منافسيها. وينطبق ذلك إلى حد كبير على الوقت الحالي. ففي عصر الإنترنت، يجد العديد من القياديين أنفسهم تحت وطأة ضغوطات العولمة. فقبل خمسة وعشرين عاما لم تعطى أهمية كبيرة للخصوصيات والعمليات غير المنطقية التي تشكل السلوك الفردي.  وانشغلت الشركات وكليات الأعمال بنموذج القيادي العقلاني الملّم بالسوق، غير مدركة أن نجاحه ليس محصور بقدرته على صنع القرار، بل بالعديد من السمات الأخرى. وتم تجاهل الجوانب العاطفية للقيادة، وأهمية الثقافة المؤسسية. وكان مطلوب من القياديين في ذلك الوقت  استخدام رؤيتهم ومهاراتهم لبناء مؤسسات مستدامة.

يواجه القياديين اليوم تحديات أكبر بسبب تعقيدات التكنولوجيا السريعة التغيير، والتنوع الجغرافي والثقافي لفريق العمل الذي يعمل على الشبكة الافتراضية، وصعوبات اتخاذ القرارات عند تواجد كم هائل من المعلومات.

اجتمعت مؤخراً في حفل لجمع التبرعات في هولندا، بإحدى الأشخاص اللذي سبق وأن حضروا برامج تحديات القيادة التي أديرها، حيث  اقترب مني وعرف نفسه. كان قد مضى على ذلك 15 عام لذا كان يصعب علي تذكره. ولكني كشخص حريص على استطلاع آراء الآخرين حتى بعد مرور سنوات عديدة، سألته إذا ما وجد فائدة من البرنامج في حياته العملية، وأجاب بالإيجاب لا سيما بالثلاثة نقاط التالية:  ساعده في المقام الأول على التحلي بالشجاعة للتخلي عن وظيفته ودخول عالم الأعمال والنجاح بتحقيق ثروة كبيرة. ثانيا، غير من ملامح علاقته مع ابنه، والتي تحولت إلى استثمارا جيدا للغاية، وثالثا، تعلم أن يتحلى بالثقة وأن يعبر عن آراءه بشكل أكثر فاعلية.

في الواقع، ما أثر فيه خلال برنامجتحديات القيادةكانت ثلاث نقاط حاسمة، تساعد في إدراك الأشخاص للأشياء الهامة التي هم بحاجة إلى تغييرها أو تطويرها بطريقة سلوكهم للنجاح لتحقيق أهدافهم الشخصية والمهنية. كانت لدي أفكار طموحة  عند وضعي للبرنامج لجعل إنسياد كلية إدارة الأعمال الرائدة من خلال التركيز على "السمات الشخصية" التي تعد من أصعب المهارات المكتسبة. انتهجت الشركات هذا النهج على مدى السنوات الـ 25 الماضية لإدراكهم لأهميتها في تحقيق النجاح. كما تعج الشركات الحديثة بالعديد من الأفكار، والتحدي الأكبر هنا هوتحويل هذه الأفكار إلى أفعال. فالرؤية من دون فعل أشبه ما تكون بالهلوسة، فالنجاح يتطلب العمل بنموذج قيادة أقل استبدادية ولكنه في الوقت نفسه أكثر حزماً.

انتقلت القيادة في الشركات الرائدة من أسلوب إصدار الأوامر والسيطرة، وتقسيم المهام إلى نموذج أكثر تفاعلية وابتكاراً. تحتاج المؤسسات اليوم إلى وجود قياديين يملكون الذكاء العاطفي لخلق القيمة، ويتمتعون بالقدرة على إلهام وتمكين فريقهم للعمل على انجاز المهام المطلوبة منهم. ولكن يصبح من الصعب تحقيق ذلك خصوصا في الشركات التي يتوزع فريق عملها في مختلف القارات. ففي النهاية لا تستطيع أن ترسل بالبريد الإلكتروني ابتسامة أو مصافحة. بل تحتاج إلى خلق بيئة عمل يشعر فيها الأشخاص بالراحة مع الهيكلية الموجودة؛ وتحتاج إلى إنشاء شركة يتسنى فيها للموظفين إجراء محادثات جريئة مع أقرانهم اللذي يتمتعون بالقدرة على التكيف، والوعي الذاتي، بالإضافة إلى كونهم مرنين وأكثر تعاوناً ودراية. بناء هكذا شركة يتطلب وجود أشخاص منفتحين فكرياً وجاهزين لتبادل المعرفة.

التدمير الذاتي

تصبح السمات الشخصية للقياديين أكثر أهمية مع تقلدهم مناصب أعلى. فلم يعد من الكاف أن تكون مديرا يقوم بوظيفته فحسب. في نهاية المطاف يحتاج القادة إلى الخروج من صومعتهم الوظيفية ليصبحوا قادرين على دفع الأشخاص لتحقيق أفضل النتائج. ولكن مع الأسف يفشل العديد من التنفيذيين في الارتقاء إلى هذا المستوى لأنهم ببساطة يجهلون الطريق لتحقيق ذلك.

والسؤال الذي غالبا ما يتبادر إلى ذهني منذ 25 عاما: لماذا يوجد هذا العدد الكبير من القياديين اللذين يتصفوا بالتدمير الذاتي؟ ولماذا يوجد هذا العدد الكبير من التنفيذيين اللذين لا يبالون بتطوير مهارات فريق العمل بصورة جيدة؟ لماذا يوجد أيضاً هذا العدد الكبير من الشركات الأشبه بمعسكرات العمل؟

والحقيقة أنه على الرغم من وجود وعي كبير لدورهم، لا يزال لدى العديد من القياديين الناجحين شعور كبير بالقلق وانعدام الأمن. ولا يدرك العديد منهم تأثير أفعالهم على الآخرين. وفي الأساس لم تكن لديهم فكرة واضحة عن أهمية دورهم، فهم غرباء عن أنفسهم، وقد يلجأون إلى التصرف على نحو مريب بسبب عدم شعورهم بالأمان. بالإضافة إلى كون العديد منهم يتسألون باستمرار عما إذا كانوا يقومون بدورهم على نحو جيد بما فيه الكفاية، أو إذا ما كانوا مناسبين لتولي هذا المنصب، أو هل سيدرك الآخرين أنه ليس كفؤ لتوليه  المنصب في المقام الأول؟ هذا ما يعرف باسم "متلازمة المحتال". يعوض البعض ذلك بأن يصبحوا أكثر نرجسية في سلوكهم لإقناع أنفسهم والآخرين بأنهم متميزين. وقد يعانون بسبب الغطرسة، و اللتي تؤدي إلى قيامهم  بأعمال غير مسؤولة. كما يلجأ بعضهم إلى أسلوب الذكر المسيطر. بينما كان يتوجب على القياديين أن يكونوا متمرسين على مدى العقود الثلاثة الماضية لتطوير أسلوب التواصل مع نظرائهم لإنجاز الأمور، إلا أنهم سرعان ما يعودون إلى سلوكهم الاستبدادي عند الضغوطات كنمط سلوكي فطري.

نستقطب في برنامج تحديات القيادة (الذي تبلغ مدته أربعة أسابيع ) تنفيذيين  كبار لمشاركة خبراتهم، ومساعدة بعضهم البعض على أن يكونوا أكثر واقعية في العمل عن طريق سؤال أنفسهم عما يقومون به وكيفية القيام بذلك قبل البدء بالتنفيذ. فيصبحون أكثر دراية بأفعالهم ودوافعهم من خلال دراسة حالة كل على حدى. كما يتبع برنامج تحديات القيادة الحكمة القديمة "اعرف نفسك". فعندما يتعلم القياديين التركيز على السلوك الواعي واللاواعي، والفعل العقلاني واللامنطقي، يضمنون سير العمل على أكمل وجه.

في نهاية المطاف، ساهمت المنهجية المستفادة من برنامج تحديات القيادة في إنشاء مركز إنسياد للقيادة العالمية؛ والذي جعل إنسياد كلية إدارة الأعمال الرائدة في العالم في مجال التدريب؛ وخلق الأساس لماجستير التنفيذيين في التدريب والاستشارات من أجل التغيير، وهو برنامج ناجح يدرس الآن في قارتين. فتغيير السمات الشخصية للأشخاص يعد أحد الركائز الأساسية الخمسة التي تميز إنسياد عن غيرها من كليات إدارة الأعمال.

الدور المتغير للقيادة

يمر عالم الأعمال اليوم بتحول كبير غير مسبوق منذ الثورة الصناعية الثانية. حيث أدت الإمكاناتات المتطورة والقدرة على تحمل تكاليف التكنولوجيا الناجمة عن الابتكار الرقمي إلى تغييرات جذرية في كيفية إدارة الأعمال والشركات وسلوك المستهلك. وبما أن العالم يتغير ، لم تعد القيادة تعرف خلال ما يقوم قيادي واحد (نظريات الرجل العظيم) ولكن من خلال القدرة على التعاون والتحفيز وطريقة إدارة شبكة العلاقات. أصبحت القيادة لعبة جماعية. يحتاج السلوك القيادي إلى الانتشار في كافة أرجاء المؤسسة.

نجاح القيادة اليوم متعلق بطريقة تفكير الأشخاص، والطريقة التي يشعرون بها، وتصرفهم بطريقة مسؤولة. فهي أكثر من كونها كاريزما أو شيء يمكن تعلمه بثلاث خطوات سهلة أو من خلال أحد البرنامج. تتطلب القيادة القوية للتطوير باستمرار. فليس بالضرورة أن يتمتع الأشخاص الأذكياء بالحكمة. ولكن بإمكانهم أن يتعلموا كيفية إيجاد سبل للتعامل مع التجارب الصعبة من خلال معرفة أنفسهم. ومن الجيد أن نضع في اعتبارنا أن القادة أشبه بالعنب. بعضه يتحول إلى عصير وقد يصبح بعضه الآخر خلاً!

مانفريد كيتس دي فريس، مؤسس ومدير برنامج "تحديات القيادة" أحد أهم برامج تطوير التنفيذيين بكلية إنسياد. . مؤسس" مركز انسياد العالمي للقيادة ". وأحد المشاركين بوضع برنامج الماجستير التنفيذي في التدريب والاستشارات من أجل التغيير.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية