Supported Browser
الاقتصاد والمالية

البطالة ليست بالضرورة مضرة بالصحة

أليكساندرا روليت، استاذ مساعد في الاقتصاد لدى إنسياد |

السياسات الحكومية المناسبة بإمكانها الحد من المخاطر الصحية والخسائر في الأرواح المصاحبة لفقدان العمل

من الناحية النظرية، قد تكون البطالة عن العمل لفترة طويلة مضرة بصحتك. أن فقدان العمل لا يؤثر على صحتك من خلال الصدمة الناجمة عن فقدان مصدر دخلك فحسب، بل أيضاً من خلال سبل غير مالية، مثل الأثر السلبي على ثقتك بنفسك.

قبل فترة طويلة، تم اكتشاف أدلة تربط البطالة بتدهور الأوضاع الصحية؛ ففي العام 1933، قامت مجموعة من المختصين في علم الاجتماع بدراسة قرية في النمسا، يسكن بها 1500 شخص فقدوا وظائفهم منذ ثلاثة أعوام نتيجة إغلاق المصنع الذي كانوا يعملون فيه، ووجد الباحثون أن حوالي 85 بالمائة من سكان القرية كانوا قد فقدوا الأمل أو محطمين في الداخل، "كانوا غير أبهين بالمستقبل والحاضر". كما عانى أطفالهم من مشاكل صحية هم الأخرين، حيث صنّف العاملون في مختلف المجالات الطبية بأن ثلث الأطفال يعاني من أمراض جسدية. ولحسن الحظ، نفذّت العديد من البلدان المتقدمة منذ الكساد الأعظم، عدة سياسات مختلفة، أبرزها التأمين ضد البطالة للتخفيف من العبء المالي الناجم عن فقدان العمل.

ومع ذلك، وجدت دراسة طويلة الأمد في الولايات المتحدة الأمريكية، قام بها دانيال سوليفان، الباحث في بنك شيكاغو الاحتياطي الفدرالي، وتيل فون واشتر، وهو اقتصادي من جامعة كولومبيا، أن معدلات الوفاة بين كبار السن من موظفي ولاية بنسلفانيا الأمريكية الذين فقدوا وظائفهم نتيجة كساد عام 1982، كانت خلال العام التالي للكساد، أعلى مما كان متوقعاً بنسب تراوحت بين 50 إلى 100 بالمائة. وحتى بعد مرور 20 عاماً، كانت معدلات الوفاة بينهم أعلى من المتوسط بنسب تراوحت بين 10 إلى 15 بالمائة.

الأثر الاقتصادي والصحي لإغلاق أماكن العمل
كانت بعض الدول قد اتخذت احترازات أكثر فاعلية ضد الصدمة الناجمة عن فقدان العمل. وبالنظر إلى الدنمارك، قمت بإجراء دراسة لتقييم إن كان لفقدان الوظيفة أثرٌ سلبي على صحة العاطلين عن العمل، بما في ذلك صحتهم النفسية وحالات التعاطي، في ظل وجود تأمين سخي ضد البطالة وتأمين صحي عالمي.

وفي ورقة العمل التي أعددتها تحت عنوان: "الأثر العرضي لفقدان العمل على الصحة: أعجوبة دانيماركية؟"، قارنت المستوى الصحي لحوالي 25 ألف عامل كانوا قد فقدوا وظائفهم بين الأعوام 2001 إلى 2006 نتيجة إغلاق أماكن عملهم، مع مجموعة تحكم من الأفراد الذين لا يواجهوا تجربة إغلاق أماكن عملهم. كانت كلتا المجموعتان على مستوى متشابه صحياً خلال الأعوام الخمسة التي سبقت صدمة فقدان العمل. كما تأكدت من مطابقة المجموعتين من حيث نسبة الرجال مقارنة بالنساء، والفئة العمرية ذاتها، ومدة عملهم، وإجمالي الدخل، والمهنة، ونسبة المتزوجين، وموقع سكنهم، ومسيرتهم المهنية.

يشار هنا إلى أن التأمين ضد البطالة في الدنمارك، يعوض ما نسبته 90 بالمائة من الخسارة في الأجور، مع وجود سقف أعلى، كان يعادل تقريباً 626 دولاراً في الأسبوع في العام 2015. وخلال الفترة التي أجريت بها الدراسة، كان العاطلون عن العمل يستحقون المعونات النقدية لفترة تصل إلى أربعة أعوام، كما تلقوا العون في البحث عن الوظائف، والبرامج التدريبية، وغيرها من سياسات سوق العمل النشط. وبالإضافة إلى المزايا آنفة الذكر، ينعم الدنماركيون بتأمين صحي عالمي.

ونظراً لوجود نظام ضريبي تدريجي في الدنمارك، واجه العاطلون عن العمل انخفاضاً بسيطاً نسبته 6 بالمائة فقط من دخلهم السنوي السابق بعد احتساب الضرائب. وعلى الرغم من أن الأثار الاقتصادية للبطالة كانت ضئيلة، إلا أنها كانت طويلة الأمد، فبعد مضي خمسة أعوام على فقدانهم وظائفهم، كان معدل ترك الأفراد لسوق العمل بشكل نهائي، الضعف، كما أن إجمالي دخلهم من الأجور كان أقل بنسبة 12 بالمائة عن نظرائهم في مجموعة التحكم.

وبالنسبة للأوضاع الصحية، لم يكن هنالك فارق شاسع بين المجموعتين، فلم تكن نسبة الذين يشترون العقاقير المضادة للاكتئاب أعلى بكثير، وهو المعيار الذي اعتمدته لقياس مستوى الصحة النفسية. كما لم ألاحظ أن هنالك فرقاً يذكر في عدد زيارات المجموعة الأولى لمزودي خدمات الرعاية الصحية، كزيارات الطبيب العام على سبيل المثال. وبالحقيقة، لم يكن هنالك أي فارق يذكر في عدد الحالات الصحية الخطرة التي تطلبت الإدخال إلى المستشفيات، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، كما لم يكن هنالك فارق ملحوظ في معدلات الوفاة لدى الموظفين العاطلين عن العمل.

صنّاع السياسات قادرون على الحد من وطأة البطالة
بالإمكان الحد من أثر البطالة على صحة الأفراد إلى حدٍ كبير من خلال إيجاد تأمين سخي ضد فقدان العمل، وسياسات سوق العمل النشط، وتوفير التأمين الصحي العام. سواء كنت قد نظرت إلى حجم مشتريات العقاقير المضادة للاكتئاب لقياس مستوى الصحة النفسية، أو معدلات الوفاة، أو عدد الحالات الصحية الخطرة التي تستدعي الإدخال إلى المستشفيات، تبقى الحقيقة ثابتة؛ أن وجود شبكة أمان اجتماعية يحدّ من أثر البطالة على الصحة.

أليكساندرا روليت هي بروفيسور مساعد في الاقتصاد في إنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية