Supported Browser
الاقتصاد والمالية

دور الطاقة في تحفيز النمو الاقتصادي

روبرت أيرس، استاذ فخري في علوم السياسة والاقتصاد وإدارة التقنية لدى كلية إنسياد |

منالمستغرب عدم وجود إدارك حقيقي لدور قطاع الطاقة كمحرك فاعل للنمو الاقتصادي.

مضت ست سنوات تقريباً على انهيار بنك ليمان براذرز واندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، وكان مسيرة التعافي بطيئة خلال الفترة التي تلتها، وتعطلت آلية السياسة المالية نتيجة الخلافات الواقعية والصراعات الأيدولوجية بين المدافعين عن خفض الضرائب وأولئك المتخوفون من زيادة عجز الموازنات الحكومية.

ركزت السياسة المالية على تخفيض تكلفة الأموال بالنسبة للبنوك، على أمل أن تقوم البنوك بزيادة الإقراض للشركات،وخاصة الصغيرة والمتوسطة منها، وهي الفئة الأكبر من حيث عدد الموظفين والأكبر من حيث عدد فرص العمل، لكن لسوء الحظ، لم تكن البنوك متعاونة في هذا الجانب، خاصة وأنها اضطرت لتلبية معايير الحد من المخاطر التي فرضها بنك التسويات الدولي "بي آي إس" في بازل.

إن عدم استثمار المال في الاقتصاد الحقيقي قد يخلق فقاعة أخرى، فقد يتجه للعقار أو فقاعة في سوق السلع، كالمعادن النادر أو حتى النفط، وقد تكون في سوق الأسهم، وشكل هذا الواقع جزء أساسياً في صفحات الصحافة الاقتصادية التي حللت جميع الكلمات التي ألقاها رئيس الاحتياطي الفدرالي، وبالنسبة للإعلاميين المتخصصين، فإن النماذج الاقتصادية السائدة تركز على الطلب المدفوع بالناتج المحلي الإجمالي، لكن النظرية الأكاديمية للنمو الاقتصادي ونسبة كبيرة من نماذج التوازن الاقتصادي ما تزال تهمل أو تقلل من دور الطاقة، مما أدى إلى عدم تحقيق النتائج المرجوة من توصيات السياسات الاقتصادية كما تم الإعلان عنها قبل التطبيق، حيث ركزت على تحفيز الطلب من خلال طبع النقود، أو بوصف أدق، من خلال تخفيض كلفة الأموال.

في كتابي الصادر حديثاً بعنوان: "اقتصاد الفقاعة: هل يمكن تحقيق النمو المستدام؟" قمت بتوضيح الفجوة الموجودة حالياً في الفكر الاقتصادي فيما يتعلق بدور الطاقة. ففي حال أدى تخفيض معدلات الفائدة إلى زيادة الطلب المجمع بالقدر الكافي بالتزامن مع انخفاض أسعار الطاقة، تكون مشكلة النمو والبطالة قد انتهت.

لكن المشكلة الحقيقية أن خفض كلفة المال لا تحفز الطلب بالشكل الكافي كما كان عليه الحال في السابق، ويعود ذلك بشكل جزئي إلى أن ارتفاع الطلب يستلزم المزيد من الطاقة، مما يرفع أسعار الطاقة.

خلال القرنين الماضيين، ومنذ انطلاق الثورة الصناعية، لطالما توافرت الطاقة بكميات كبيرة وبتكلفة محدودة، وباتت في عداد المسلمات كداعم أساسي للنشاط الصناعي، لكن تلك الحقبة شارفت على الانتهاء مع اقتراب مرحلة ذروة النفط، أي التي يصل خلالها انتاج النفط إلى الذروة، والتي يرى البعض أنها حدثت في 2005، وتكمن المشكلة أن النفط هو الوقود السائل الوحيد تقريباً المطلوب لتشغيل محركات الاحتراق الداخلي في المصانع، وهذه المحركات تحدث الحركة ، فهي تشغل منظومة النقل والمواصلات بأكملها، باستثناء القطارات الكهربائية، بالإضافة إلى الزراعة الممكننة، وآليات الإنشاء والتعدين، وبالتالي فإن ارتفاع سعرالنفط سيعرقل أي نمو اقتصادي في المستقبل.

لا يتم أخذ الطاقة بعين الاعتبار من قبل المنظرين الاقتصاديين الذين يؤلفون الكتب ويطورون النماذج الاقتصادية إلا ما ندر، حيث يعتمدون على نظرية تقول بارتباط دور الطاقة كمحرك للنمو الاقتصادي مع حصتها من الميزانية العامة لكل بلد، إذ تعتبر النماذج الاقتصادية السائدة أن النمو الاقتصادي يعتمد على الطلب الاستهلاكي الذي يربتط مع الواقع السكاني، أي توافر اليد العاملة، بالإضافة إلى الاستثمار من المدخرات بشكل رئيسي، والمشكلة هنا أن معظم تلك النماذج تهمل دور الطاقة ولا يتم اعتبارها عامل أساسياً في الانتاج.
ونظراً لانخفاض مساهمة قطاع الطاقة في الناتج المحلي الاجمالي إلى أقل من 5 % خلال السنوات الـ25 الماضية، فإنها لا تدخل ضمن حسابات النماذج الاقتصادية التي تعتمدها مؤسسات على غرار مؤسسة التعاون والتنمية الاقتصادية أو صندوق النقد الدولي، حيث تعتبر أن النمو يأتي مدفوعاً بتوافر اليد العاملة ورأس المال.

تستأثر قضايا الطاقة بحصة ضئيلة من التحليلات والمقالات في الصحافة العالمية، إلا في حال حدوث أزمات في الشرق الأوسط، لذا يعتبر القراء أن المال هو أساس الحركة الاقتصادية في العالم، لكن رأس المال لا يكون فاعلاً ومنتجاً دون تفعيل دور الطاقة، كما أن توافر اليد العاملة أو حتى توافر الثروة الحيوانية تحتاج للغذاء، فهو ضروري حتى للمجهود الذهني الذي يستهلك 30% من الحريرات في الطعام. إذاً فالطاقة هي أساس حركة العالم.

لا يتم تناول ارتفاع أسعار النفط وآثارها الارتدادية بشكل موسع ضمن النقاشات الدولية التي تعالج التباطؤ الاقتصادي العالمي، لكن ارتفاع أسعار النفط كان عاملاً مساهماً في الأزمة المالية الأخيرة وغيرها من الأزمات التي شهدها العالم في السابق، ومع مرور الوقت، يزداد الدور السلبي وأثره خاصة مع توقع استمرار ارتفاع أسعار النفط، وخاصة مع مع ارتفاع الطلب من الصين والدول النامية والذي وصل إلى مستويات توازي العرض في سوق النفط، بينما تنخفض تكلفة استكشاف حقول النفط الجديدة، لكن ذلك يأتي مع انخفاض مخزونات النفط الجديدة غير المستكشفة.

بالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط، تنخفض أسعار الطاقة البديلة والمتجددة على غرار الطاقة الشمسية أو تلك المعتمدة على الرياح أو طاقة أمواج البحر، بالإضافة إلى انخفاض تكاليف تقنيات تعزيز كفاءة استهلاك الطاقة على غرار العزل الحراري والتخزين وغيرها، ويأتي ذلك مع اتساع حجم ودور هذه المصادر بالتوازي مع التطور الذي تشهده، ومن المتوقع أن يتواصل انخفاض أسعار الطاقة البديلة من توسع وارتفاع معدلات وقنوات انتاجها.

ومع توجه أسعار الطاقة البديلة إلى مستويات توازي تكلفة الطاقة الكهربائي،بات من الضروري أخذ ارتفاع أسعار النفط بالتوازي مع انخفاض أسعار الطاقة البديلة بعين الاعتبار لدورها الحيوي في وضع الاقتصاد على طريق النمو المستدام.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة التقليدية وانفخاض تكلفة نظيرتها البديلة، تبرز العديد من الفرص الاستثمارية على المدى الطويل، وخاصة للمستثمرين الأذكياء للفوز بعوائد مالية مجزية.
يلعب القطاع الخاص دوراً هاماً في توجه التركيز على الطاقة البديلة، بالرغم من أن آليات استثمار رؤوس أموال ضخمة في مثل هذه المصادر ليست واضحة بالشكل الكامل بعد، حيث يكمن التحدي الرئيسي في تطوير طريقة لربط القيمة السوقية الحالية مع الأصول غير القابلة للتسييل، أي خلق السوق للطاقة البديلة، لكنها ليست مستحيلة بالنسبة لوول ستريت، حيث تم تطبيق طرق مماثلة عبر الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية من قبل مؤسسات مثل "سالمون براذرز" و"فيرست بوسطن" والتي جنت أموال هائلة نتيجة ذلك.

إن هذه السياسة الاستثمار تطبق من قبل صناديق رأس المال المخاطر وشركات التعدين وغيرها، وقد فشل البعض فيم نجح آخرون بما يبرر الوسيلة.

فالمشكلة تكمن في الجمع بين استثمارات تولد عوائد كبيرة لكن متناقصة وتمتد على المدى القصير، على غرار آبار النفط، مع الاستثمارات التي تولد عوائد ضئيلة لكنها تنمو وترتفع تدريجياً على المدة الطويل، على غرار الزراعة.

روبرت أيرس، استاذ فخري في علوم السياسة والاقتصاد وإدارة التقنية لدى كلية إنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟