Supported Browser
الاقتصاد والمالية

غاز ثاني أكسيد الكربون وعلاقته بالتغير المناخي

روبرت ايريس، أستاذ فخري في علم السياسة والاقتصاد وإدارة التقنية بكلية إنسياد |

قد نقلل من أهمية التغير المناخي، ولكن هناك حاجة ملحة لخفض انبعاثات الكربون.

قد نقلل من أهمية التغير المناخي، ولكن هناك حاجة ملحة لخفض انبعاثات الكربون.
أشرت في مقالي الأخير كيف يقوم الخبراء المختصين بالتغير المناخي في المنظمات الحكومية الدولية بتطوير وتحسين البحوث والأساليب المتبعة، وسيتمكنوا قريباً من إثبات تأثير نمط حياة الإنسان في العصر الحالي، على مناخ كوكبنا. ومع ذلك لا تزال قناعة الفريق الرافض لهذه الفكرة راسخة بأن الخبراء المختصين بالتغيّر المناخي في المنظمات الحكومية على خطأ، أو أن الأمر كله مجرد عملية نصب واحتيال لزيادة سلطة الحكومة. وبالرغم من حقيقة عدم امتلاكهم لأية أدلة وبحوث تثبت ادعاءاتهم بأن ارتفاع مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون غير مؤذية، أو أن الأمر بمجمله ليس بسبب ممارسات البشرية، لم يستطيع أحد رعهم وإيقاف تدخلاتهم في الأمور العلمية.

للمضي بهذا النقاش من المهم دراسة ظاهرة التغير المناخي، والتي هي نقطة نزاع بين العلماء ومناهضي الفكرة. باختصار، يعتقد علماء المناخ أن الأرض تتأثر بشكل كبير بانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، بينما يشكك مناهضي هذه الفكرة في تأثيره، وردهم هذا ليس بالأمر المفاجئ. ولكن تحديد مقدار ارتفاع درجة حرارة الكوكب بسبب زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون يقطع شوطا طويلا لتسوية هذا النقاش، وهذا هو السبب لتكريسي هذا المقال بالكامل عن هذا الموضوع.

السؤال الرئيسي الذي يتوجب علينا التعامل معه هنا: ما هو معدل ارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب "الاحتجاز الإشعاعي" الناتج عن زيادة الحرارة التي تصل سطح الأرض.

التأثير الإشعاعي هو الفرق بين أشعة الشمس التي تمتصها الأرض والطاقة المنعكسة إلى الفضاء. تعرف هذه الآلية بظاهرة  "الاحتباس الحراري"، حيث يقوم غاز ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي بامتصاص الأشعة المنعكسة من سطح الأرض ليعكسها مرة أخرى إلى سطح الأرض على شكل طاقة حرارية، بحيث يصبح بمثابة غطاء.
يعتقد علماء المناخ حاليا أن زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تعزز من وجود هذا الغطاء وتسبب ارتفاع درجات الحرارة في العالم.

التأثيرات المباشرة
كما هو الحال مع معظم الأشياء في المناخ المعقد، لذلك انعكاسات عدة. وقد يكون من بين التأثيرات المباشرة زيادة عملية التمثيل الضوئي وتراكم الكتلة الحيوية (بشكل جزئي بسبب استخدام غاز ثاني أكسيد الكربون بعملية التسميد)، وزياد التبخر، وارتفاع نسبة بخار الماء في الغلاف الجوي. (يعد بخار الماء أكثر جميع الغازات المسببة للاحتباس الحراري تأثيراً.) وقد يقودنا ذلك للاعتقاد أنه أمراً إيجابياً، ولكن بحسب عالم المناخ القدير ريتشارد لنزن من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يترتب على  ذلك ردود فعل سلبية. ورغم ذلك فإن "فرضية إيريس" لـ لينزن عن الغيوم، لم يتم اختبار مدى صحتها بعد.

يتمثل التأثير الثاني المباشر لارتفاع درجات الحرارة، بذوبان الجليد في القطب الشمالي والقطب الجنوبي، مما يؤدي إلى خفض ارتداد أشعة الشمس عن الأرض وزيادة امتصاص الحرارة عن طريق المحيطات. وسيؤدي ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي إلى تسريع ذوبان الأنهار الجليدية وزيادة تبخر الماء من المحيطات الأكثر دفئا. وذلك ما يحدث فعلياً.

يتجلى التأثير الثالث بأثر ارتفاع درجات الحرارة على ارتفاع مستوى سطح البحر. فبسبب ارتفاع درجات الحرارة تمتص المحيطات نسبة أقل من ثاني أكسيد الكربون وبالتالي ستزداد نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. فما يطلق عليه "تأثير دورة الكربون" له تأثيرات مختلفة على جميع النماذج الأخرى. لا يزال هذا مسألة خلافية. تشير التقديرات حاليا إلى أن 57 في المئة من الانبعاثات الجديدة لغاز ثاني أكسيد الكربون تمتصها المحيطات. ويؤدي ذلك إلى زيادة نسبة الحموضة، التي تعتبر ضارة للمحار والشعاب المرجانية على وجه الخصوص.

بحسب القانون الأول للديناميكا الحرارية (حفظ الطاقة) عندما تكون الحالة مستقرة، فأن تدفق الطاقة من الشمس إلى الأرض على شكل موجات قصيرة يجب أن يكون بشكل متوازن على المدى الطويل (ليس بشكل لحظي) مع تدفق الطاقة على شكل حرارة منخفضة (الأشعة تحت الحمراء) أو موجات ضوئية طويلة. ففي حال عدم وجود توازن، ستزداد سخونة الأرض أو برودتها. تتدفق الموجات الطويلة حاليا بصورة أقل من تدفق القصيرة بسبب تأثير الاحتباس الحراري. ويتغير مناخ الأرض حالياً بسبب هذا الخلل.

هناك النظم الطبيعية مثل الأنهار الجليدية والغابات والمياه العميقة التي من أن شأنها أن تسرع أو تبطء عجلة التغيرات المناخية. معظم هذه العمليات تتم بشكل دوري يومي أو شهري أو سنوي وحتى لفترات زمنية أطول. وكمثال على ذلك العصور الجليدية التي تبدو أنها دورية، ولكن بدورات طويلة جدا. وبالتالي يجب أن تتم المقارنات المناخية بين الآن وأوقات سابقة في تاريخ الأرض بالكثير من الحذر لمثل هذه الظواهر الدورية.

التغير المناخي للكرة الأرضية، هو فائض الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة الأرض، بمعدل 1 درجة مئوية، هو 3.7 واط لكل متر مربع (3.7 ميغا واط للكيلو متر المربع) من السطح. و هي بعملية حسابية بسيطة عبارة عن زيادة كثافة غازات الاحتباس الحراري (ثاني أكسيد الكربون) من 180 جزء في المليون بالعودة إلى ما كان عليه الحد الجليدي الأقصى، إلى 280 جزء في المليون حوالي سنة 1800 سيكون معادلاً لزيادة مدخلات الطاقة الشمسية في أعلى الغلاف الجوي بنحو (180/280) × 3.7 = 2.37 واط للمتر المربع. وهذا، بدوره من شأنه رفع درجة حرارة الأرض بنحو 0.64 درجة مئوية.

ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية في الواقع منذ الحد الجليدي الأقصى الأخير من  100,000 سنة نحو 5 درجات مئوية. (الحسابات ليست دقيقة بما يكفي لتقدير مدى دقة الخطأ.) وعلى افتراض أنه يمكن أن يعزى هذا الاختلاف إلى زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، يجب أن يكون هناك معامل تضخيم كبير، بسبب "التغذية المرتدة" للنظام. وباختصار، يبدو أن معامل التضخيم يقرب 5 / 0.64 = 7.8. ومع ذلك، يفترض الخبراء المختصين بالتغير المناخي في المنظمات الحكومية أن معامل تضخيم أقل بكثير في الوقت الراهن ويتراوح بين 3.1 و 4.5. بعيدا عن المبالغة في تقييم هذا الخطر، لكنهم ربما لم يعطوه الأهمية التي يستحقها.

من الواضح، أنه لا يزال هناك فجوة غير منطقية بين النتيجة التي توصل إليها الخبراء ومعامل التضخيم 7.8 الذي تم حسابه بناءً على البيانات المناخية الموجودة عن فترات السابقة. فالاختلاف بين النتيجتين يعود إلى نماذج الدوران العامة المستخدمة حاليا من قبل الخبراء المختصين بالتغير المناخي في المنظمات الحكومية، ويجب أن يعكس معامل 7.8 ردود أخرى لم تؤخذ بعين الاعتبار بشكل صريح في هذه النماذج.

هناك تأثير محتمل لم يؤخذ بعين الاعتبار حتى الآن، قد يكون تغير "الحزام الناقل" بين سطح المحيط والتيارات العميقة. على سبيل المثال، لا تقدر تيارات الخليج المالحة على التوجه شمالا عند السطح، وتغرق قبل الأوان. وقد يعزى ذلك إلى برودة وكثافة ذوبان الجليد في غرينلاند، بالإضافة إلى زيادة الملوحة بسبب إطلاق الملح جراء ذوبان جليد بحر القطب الشمالي. أدت زيادة الملوحة إلى رفع كثافة المياه وذلك بدوره يؤدي إلى إغراقها أسرع مما كانت عليه. (وربما كان ذلك سبباً لـ"العصر الجليدي الصغير) هذا الارتفاع في نسبة الملوحة قد حدث في ما مضى خلال الذوبان السريع للجليد في ولاية ويسكونسن. فإذا ما حدث شيء من هذا القبيل مرة أخرى، سيصبح شمال أوروبا بارداً كنتيجة مباشرة لظاهرة الاحتباس الحراري.

ما يحدث في الغلاف الجوي له تأثير كبير على المحيطات التي تعتبر إلى حد بعيد نظام تخزين رئيسي للحرارة في المدى القصير إلى المتوسط، فقد قامت بامتصاص 93 في المئة من الزيادة في ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية ما بين عامي 1971 و 2010، وفقا للخبراء المختصين بالتغير المناخي في المنظمات الحكومية. ولكن من المرجح أن تؤدي قدرة المحيطات على مواصلة امتصاص الحرارة إلى التمدد الحراري، الذي يسبب ارتفاع مستويات البحار. سننظر في مقالي التالي والأخير في الآثار العديدة المترتبة على ارتفاع درجات الحرارة المحيطات.

روبرت ايريس أستاذ فخري في علم السياسة والاقتصاد وإدارة التقنية بكلية إنسياد. وأستاذ كرسي في الإدارة والبيئة من شركة ذا نوفارتيس. مؤلف "اقتصاد الفقاعة": هل النمو المستدام ممكناً؟. كما شارك في تأليف العبور لعصر طاقة جديد: الانتقال من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى مستقبل الطاقة النظيفة.

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟

تأخذ إنسياد خصوصيتك على محمل الجد. ولهذا السبب ، نعلمك بأن البيانات التي يتم جمعها عبر النموذج أعلاه تتم معالجتها إلكترونياً للأغراض المحددة في هذا النموذج ولن يتم استخدامها خارج هذا الإطار. وفقًا لقانون حماية البيانات الصادر في 6 يناير 1978 والذي تم تعديله وفقًا لتنظيم حماية البيانات العامة ، يتم منحك حقوقًا قانونية فيما يتعلق بالوصول إلى بياناتك الشخصية وتعديلها وتحديثها وحذفها والحد منها. يمكنك ممارسة هذه الحقوق في أي وقت من خلال كتابة أو إرسال بريد إلكتروني إلى إنسياد على insead.knowledge@insead.edu. لديك الحق ، لأسباب مشروعة ، في الاعتراض على جمع معلوماتك الشخصية ومعالجتها. لمزيد من المعلومات ، لمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية