Supported Browser
الاستراتيجية

الأخطاء الستة لاستراتيجية "المحيط الأحمر"

تشان كيم و رينيه موبرونج، أساتذ الاستراتيجية ومدراء مشاركون في معهد استراتيجية المحيط الأزرق التابع لإنسياد |

تقع الشركات في خضم سعيها للنمو ومحاولة الوصول لأسواق جديدة، في فخ تخصيص مصادرها لإبهارعملائها الحاليين، وتركيز جهودها بالاستثمار لإضافة قيمة لخدماتها الحالية. ولكنها لن تنجح بالوصول إلى المحيطات الزرقاء باتباعها لهذه الاستراتيجية.

تتطلع الشركات لامتلاك منتج مثل محرك البحث جوجل عندما يتعلق الأمر بوضع استراتيجية المحيط الأزرق. فهو محرك بحث يسهل التعامل معه ويتسم بالسرعة والدقة، كما تتيح لوغاريتماته خاصية فرز وتصنيف الملفات والصور والفيديوهات، التي تساعد الأشخاص بالوصول إلى  المعلومات بسرعة تفوق توقعاتهم. فباستحواذه على ما يقرب 65 بالمئة من الحصة السوقية على مستوى العالم، استطاع جوجل تطبيق استراتيجية المحيط الأزرق بشكل صحيح.

وتقوم استراتيجية المحيط الأزرق بشكل أساسي على التوسع في سوق أو قطاع جديد غير متشبع بالمتنافسين مقابل المحيط الأحمر الذي يشهد تزاحماً في المنافسة بين الشركات لاقتطاع حصة من السوق.

ومن ثم جاء منتج  نظارات جوجل، والذي تم الإعلان عنه في 2012، كما تم اختياره من قبل مجلة "تايم" كأحد أفضل الاختراعات لذلك العام. هدفت شركة جوجل من خلال إطلاق مشروع النظارات الرقمية الثوري، إلى خلق سوق ضخمة جديدة لأجهزة الكمبيوتر القابلة للارتداء. ولكن سرعان ما ما تحولت هذه الإثارة إلى خيبة أمل. فالمنتج تم إطلاقه بسعر 1500 دولار أمريكي ووسط ضجة كبيرة. ولكن كان رأي الناس بالنظارات كان مغايراً ووجدو فيها أنها أقرب ما تكون إلى لعبة ذات تقنية عالية، وليس أداة تطبيقات قادرة على المنافسة ومن شأنها إحداث ثورة على صعيد الإنسانية. أعيدت النظارات إلى المختبر للعمل على إعادة تصميمها بعد أقل من عامين من إطلاق النموذج الأولي.

أين يكمن الخطأ؟ وماالذي يتوجب على فريق مشروع نظارات جوجل فعله بشكل مختلف لتفادي تكرار مثل هذا السيناريو؟ بداية ينبغي أن نفهم الأخطاء الستة لاستراتيجية المحيط الأحمر، وهي عبارة عن افتراضات صريحة وضمنية، غالباً ما يعمل المدراء بموجبها لاتخاذ خطوات استراتيجية عند خلق أسواق جديدة.

الخطأ الأول: التركيز على إسعاد العملاء الحاليين:

يأتي زيادة الطلب على السلعة في صميم جميع استراتيجيات التسويق. ولكن غالباً ما يفترض مدراء التسويق أنه يتوجب عليهم التركيز على إسعاد عملائهم الحاليين في سبيل تحقيق ذلك. بالرغم أن ذلك يعتبر أمراً جيداً، ولكنه من غير المرجح أن يساعد على خلق أسواق جديدة. وفي المقابل تحتاج المؤسسات إلى تحويل تركيزها على العملاء المحتملين لتحقيق ذلك. فما هو عدد الأفكار المبتكرة التي سنحصل عليها من سؤال العملاء الحاليين عن الطريقة التي تجعلهم أكثر سعادة ورضا بالمنتج؟

الخطأ الثاني: التعامل مع الاستراتيجيات التسويقية على أنها استراتيجيات متخصصة

ركز التسويق بشكل كبيرعلى تحديد الشرائح السوقية من أجل الوصول إلى أسواق متخصصة والسيطرة عليها أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من جدوى استخدام الاستراتيجيات المتخصصة في بعض الأحيان، إلا أن اكتشاف الأسواق المتخصصة في السوق الحالي يختلف كلياً عن إيجاد سوق جديد.على سبيل المثال: شركة طيران سونغ التابعة للخطوط الجوية دلتا والتي لم تستطع الصمود طويلا. حيث استهدفت شريحة معينة من العملاء - المرأة المهنية العصرية – وبذلك يتطلب منها التركيز على احتياجات ورغبات تختلف عن تلك الموجهة لرجال الأعمال والشرائح الأخرى. هدفت استراتيجية الشركة  سد الفجوة في السوق الحالي، ولكن مع الوقت سرعان ما ثبت صغر حجم هذه الشريحة مما أَثر في قدرتها على الاستمرار.

الخطأ الثالث: الخلط بين الابتكارات التكنولوجية و استراتيجيات إنشاء الأسواق

ينظر إلى كل من البحوث والتطوير، والابتكارات التكنولوجية على أنها المحرك الرئيسي لتطوير السوق وازدهار القطاع الصناعي. ولكن خلق سوق جديد ليس له صلة وثيقة بالابتكار التكنولوجي. وكدليل على ذلك هناك "ستاربكس" الذي استطاع قلب صناعة القهوة رأسا على عقب من خلال تحويل تركيزه على تجربة العملاء بدلاً من مجرد بيع القهوة كسلعة. أو النظر لشركة جي سي ديكو، التي أطلقت العنان لاستراتيجية المحيط الأزرق بمجال الإعلانات الطرقية، من خلال تجهيز وصيانة الأثاث الطرقي لصالح البلديات مقابل حصولها على مواقع رئيسية بمركز المدينة لعرض إعلاناتها. حيث فتحت هذه الخطوة الاستراتيجية أمامها أسواقاً جديدة دون الحاجة للجوء إلى التكنولوجيا المتطورة.

هناك العديد من الوسائل الجديدة المتاحة عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا، مثل محرك البحث "جوجل"، وبرمجيات "إينتويت كويكن" و "ويكيبيديا"  وكذلك "يوبر" الذين حققوا نجاحاً كبيراً، ليس بفضل التكنولوجيا ولكن بما توفره هذه المنتجات والخدمات من قيمة عالية للمستهلكين، فهي سهلة الاستخدام وممتعة وذات فائدة، الأمر الذي ساهم بجذب المستخدمين وتفضيلهم لها.

بإمكاننا القول أن ابتكار قيمة هو الذي يساهم بفتح أسواق جديدة، وليس الابتكارات التكنولوجية بحد ذاتها. حيث تنجح المنتجات والخدمات الجديدة في فتح سوق جديد بفضل القيمة الانتاجية التي تقدمها ، سواء بسبب بساطتها وسهولة استخدامها، أو مدى ملائمتها، وشكلها والمتعة التي توفرها، وحتى حفاظها على البيئة.

الخطأ الرابع: المساواة بين التدمير الخلاق وخلق سوق

تكمن نظرية جوزيف شومبيتر "التدمير الخلاق" في صميم الاقتصاد المبتكر. حيث يحدث التدمير الخلاق عند ظهور ابتكار جديد في السوق ليستبدل تكنولوجيا سابقة أو منتج أو خدمة موجودة بشكل فعلي. ففي نظام شومبيتر، غالباً ما يتم تدمير القديم  ليحل مكانه الجديد.

ولكن خلق سوق جديدة لا ينطوي دائماً على سياسة التدمير. فخطوات خلق سوق بعيداً عن سياسة التدمير تقدم حلولا جديدة. ومثالاً على ذلك، لعبة "وي" من نينتندو ، قامت باستكمال منظومة الألعاب الموجودة بدلا من استبدالها، فلعبة " وي" نجحت بجذب شريحة الأطفال الأصغر سناً والأشخاص الأكبر سناً الذين لم يسبق لهم أن لعبوا ألعاب الفيديو

لذا فإن ربط عملية خلق سوق جديد بسياسة التدمير الخلاق، لا يحد من فرص المؤسسة فقط، بل  من شأنه أيضاً أن يعرقل استراتيجيات خلق سوق جديد في الشركات القائمة، كما يدفع الشركات الناشئة لدخول صراع مع الشركات الكبرى من دون داع لذلك.

الخطأ الخامس: المساواة بين استراتيجية خلق سوق جديد واستراتيجية التميز:

تميل الشركات المتنافسة في المجال نفسه إلى تحديد موقعها بحسب ما يطلق عليه الاقتصاديون "الحدود الإنتاجية"، والمفاضلة بين التكلفة والقيمة تكون بحسب بنية وقواعد هذه الصناعة. وغالباً ما تختار هذه الشركات استراتيجية التميزً التي تخول الشركات أن تتمايز عن منافسيها من خلال توفير قيمة استثنائية: غالباً ما تكون هذه المفاضلة بين زيادة الكلفة على الشركة ورفع السعر على المستهلك. يفترض العديد من المدراء أن خلق سوق جديد يعني الشئ ذاته. ولكن في الواقع إن خطوة إنشاء سوق جديدة تختلف عن مبدأ المفاضلة بين التكلفة والقيمة، وتنتهج استراتيجية التميز وخفض الكلفة معاً.

الخطأ السادس: المساواة بين استراتيجية خلق سوق جديد باستراتيجية خفض الكلفة:

تركز المؤسسات التي تتعامل مع استراتيجيات خلق سوق على أنها مرادف لاستراتيجيات خفض الكلفة، على استبعاد وتقليص ما تقدمه من عروض، وتتجاهل إلى حد كبير ما ينبغي عليها تطويره أو خلقه لزيادة قيمة المعروض.

كما ذكر أعلاه، تتنهج استراتيجية خلق السوق مبدأي التميز وخفض الكلفة.  في هذا الإطار، فإن خلق مساحة سوقية جديدة  لا يتم من خلال سياسة تسعير تستهدف المنافسين في هذه الصناعة، ولكن من خلال البدائل والخيارات المطروحة التي يلجأ إليها المستهلكون المحتملين. بناء على ذلك، فإن خلق سوق جديدة لا يعني بالضرورة تقديم سعر أقل مما هو مطروح بالسوق، بل على العكس قد تكون من خلال رفع السعر وتحسين النوعية، كما فعل "سيرك دو سوليه" في صناعة السيرك، و"آي فون" في الهواتف الذكية، و"دايسون" في المكانس الكهربائية.

تحدث استرو تيلر رئيس مختبر أبحاث جوجل إكس في مايو 2015  خلال مؤتمر مطوري البرامج، عن خطأ جوجل بإحداث ضجة كبيرة عند إطلاقها لنظارات جوجل – سواء بارتداء أربعة مظليين لنظارات جوجل والقفز من منطاد إلى ارتداء نظارات جوجل خلال عرض للأزياء. مثل هذه الجعجعة ليست الطريقة الصحيحة لاختبار النموذج الأولي. وأكد تيلر للعالم خلال المؤتمر أن شركة جوجل أدركت الأمر. وأنهم سيسعوا جاهدين لتجنب الوقوع في فخ استراتيجية المحيط الأحمر، والتعامل مع الابتكارات التكنولوجية على أنها قيمة مبتكرة ، ووعد بالتركيز على تقديم نقلة نوعية في القيمة التي يقدمها المنتج للمشتري في النسخة الجديدة للنظارات. فهل ستنجح نظارات جوجل بدخول المحيط الأزرق في نهاية المطاف ؟ بالتأكيد سيساعد إدراكها لكمائن استراتيجية المحيط الأحمرعلى تحقيق ذلك.

تشان كيم و رينيه موبرونج، أساتذ الاستراتيجية ومدراء مشاركون في معهد استراتيجية المحيط الأزرق التابع لإنسياد

إضافة تعليق تتمتع بالعضوية ؟